رد علي د. ناهد الحسن والف رجل قش في خدمة منطقها

رد علي د. ناهد الحسن والف رجل قش في خدمة منطقها:
كتبت الدكتورة ناهد الحسن ردا علي مقالي بعنوان ” حملة تفتيت السودان: نزع الشرعية عن الجيش كاستراتيجية جيوسياسية” وحلقة من حلقات تدمير دولة السودانية. نشرت الدكتورة ردها في صفحتها الخاصة ولا غبار علي ذلك.
– أولا أشكر الدكتورة ناهد علي ردها وإهتمامها. سارد علي بعض النقاط وكامل المقال في الجزء الأسفل من هذا البوست والرابط في أول تعليق لمن شاء متابعة التعليقات هناك.
– ثانياً، جوهر مقالي – والذي تحاشَتِ الدكتورة ناجه التعليق عليه أو مناقشته أصلاً – هو التحذير من وجود مُخطَّط استعماري قديم-جديد يستهدف ضربَ الدولة السودانية في صميم مؤسساتها السيادية، ويقوم على تنفيذه، بوعي أو بدون وعي، جحافل من السودانيين. هذه هي النقطة المركزية التي دار حولها كل تحليلي.
– غير أن رد الدكتورة، بدلاً من أن يُعَالِج هذه القضية الجوهرية أو يحاول دَحْضَها، انساق إلى منهج الإسقاط والتأويل المُتعسِّف. لقد فضَّلَتْ أن تبني منطقاً مُفتعَلاً تنسبه إليَّ، ثم تُهرع لتفكيكه، لتحارب خصماً وهمياً من صنع يدها. هذه ليست مناقشةً للحجة كما هي، بل هي محاولة لاستبدال منطقي بآخر مُختَلَق، يسهل هدمه، وذلك لتجنب المواجهة المباشرة مع فكرة المخطط التدميري ومشاركة السودانيين فيه.
– فالسؤال الذي يظل قائماً، والذي لم يجب عليه رَدُّها، هو: هل تنفي وجود مثل هذا المخطط الإستعماري لتفكيك الدولة السودانية وأعوانه من بني جلدتنا؟ أم أن الصمت عنه هو نوع من الرد؟ النقاش الجاد يقتضي مواجهة الأفكار في صلبها، لا الهروب منها إلى تشييد رجال من قش تُهَدَّمُ بسهولة بينما تبقى القلعة الحقيقية – فكرة المؤامرة على الدولة ومؤسساتها – بمنأى عن التحدي النزيه. . ورجل القش هو الهمبول.
– على سبيل المثال، كان بإمكان الدكتورة ناهد أن تجادل بعدم وجود مؤامرة لتفكيك الدولة السودانية، أو بعدم وجود خونة سودانيين متورطين فيها. أو كان بإمكانها الإقرار بوجود المؤامرة والخونة، ثم تزعم أن المسألة غير مهمة، وأنه ينبغي تجاهلها للتركيز على قضايا أخري مثل استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل النصوص أو محاولة وضع بضع شعيرات على رأس رجل أقرع . لو فعلت ذلك، لكانت قد تفاعلت مع جوهر نصي، لا مع نص بديل قامت بتأليفه ونسبته إليّ.
– أدناه رد مقتضب مني علي بعض النقاط التي تناولتها.
تقول ناهد: في عنوان المقال “قراءة موازية لمقال معتصم الأقرع: بين خوف الدولة وفتنة “الشرعية المفتوحة””.
++ معتصم: لا يوجد في مقالي ما يعطي شرعية مفتوحة لأي جهة بما في ذلك جيش الدولة الذي دافع عنه مقالي.
تقول ناهد: ” لكن المشكلة – في تقديري – لا تبدأ من السؤال، بل من طريقة الإجابة. لأن الخوف، حين يصبح مرجعية سياسية، لا يظل خوفًا فقط… يتحول إلى “أداة حكم”.”
++ معتصم: لا يوجد في مقالي ما يشير إلي أن الخوف هو مرجعيتي السياسية الوحيدة ولا إلي أداة حكم. ثم أن الخوف مفهوم واسع ولكن هذه قضية أخري. فذلكة الدكتورة عن الخوف ومرجعيات الحكم لا علاقة لها بمقالي.
تقول ناهد: “لكن هنا تظهر المفارقة التي تحتاج أن تُقال بوضوح دون تخوين أحد: ليس كل نقدٍ لتسييس الجيش هو “حملة تفتيت””.
++معتصم: لم يقل مقالي أن كل نقدٍ لتسييس الجيش هو حملة تفتيت. يتناول مقالي خطط إستعمارية قديمة لتفكيك السودان وقد تم تجنيد جحافل من السودانيين الخونة لتحقيق هذا الهدف. مشروعية النقد الوطني المسؤول لا تنفي وجود خونة باعوا السودان.
تقول ناهد: “في المقال انزلاقٌ واضح من تحليل جيوسياسي إلى استقطاب أخلاقي. يبدأ الكلام عن تفكيك الدول والحروب الهجينة، ثم يتبدّل المعجم فجأة: ناقدو الجيش يُصبحون “عملاء أو أغبياء”، وتُستدعى صورة “العميل الذي لا يدري أنه عميل” لتفسير اختلاف سياسي أو احتجاج مدني. ”
++ معتصم: كلام ناهد غير دقيق وهو من جنس حجة رجل القش. لم يقل مقالي أو يشير إلي أن “كل ناقدو الجيش يُصبحون عملاء أو أغبياء”. مقالي يقول بوجود عملاء وأغبياء ولكنه لا يقول أن كل ناقد للجيش غبي أو عميل. هذان مفهومان مختلفان لا يجوز الخلط بينهما. لذلك فان الإنزلاق ياتي من جانب الدكتورة.
تقول د. ناهد: “هذا النوع من التفسير قد يكون مريحًا نفسيًا لأنه يبسّط العالم: خيرٌ وشر. لكنه سياسيًا يضر الدولة التي يريد حمايتها، لأنه يغلق الباب أمام المساءلة العقلانية، ويضع كل نقدٍ في خانة الخيانة. ”
++ معتصم: مرة أخري تاتي حجة رجل القش: لا يوجد في مقالي ما “يغلق الباب أمام المساءلة العقلانية” وليس فيه ما “يضع كل نقدٍ في خانة الخيانة”. هذا إختراع من الدكتورة تنسبه لي ولا يوجد في مقالي.
تقول د. ناهد: “الأخطر في هذا المنطق أنه يخلط بين نقد تسييس الجيش وبين تفكيك الدولة نفسها. كأن القول: “نريد جيشًا مهنيًا غير مسيّس” يُعاد ترجمته إلى: “نريد إسقاط آخر سقف للدولة”.
++ معتصم: هذه حجة رجل القش مرة أخري.
تقول د. ناهد: “بينما تاريخ الدول التي نجحت في بناء ديمقراطية مستقرة يقول شيئًا مختلفًا: المساءلة ليست هدمًا، ونقد تسييس الجيش ليس عداء للجيش، بل شرط لإنقاذه من التحول إلى لاعبٍ سياسي دائم. عندما يصبح الجيش جزءًا من المعادلة السياسية اليومية، تتآكل مهنيته من الداخل، ويتحول الوطن إلى ساحة “مكاسب وخسائر”، لا إلى مساحة خدمة عامة. هنا تُضعف السياسة الجيش، ويُضعف الجيش السياسة، وتدخل الدولة في حلقة لا تنتهي.”.
++ معتصم: هذا تبسيط لتاريخ الدولة والجيوش من النوع الذي شاع ولكن أتجنبه الآن لانه موضوع آخر. عموما الجيش ليس ظاهرة “طبيعية”، بل هو نتاج اجتماع سياسي تتغير أشكاله ووظائفه بتغير السياقات التاريخية. ولا twjd
تقول د. ناهد: “يستدعي المقال “الديالكتيك” ليقول إن الجيش يحمل نقيضين: القمع والحماية. وهذه حقيقةٌ تُرى في التاريخ وفي السودان أيضًا. لكن الديالكتيك ليس متحفًا لوصف التناقض، بل أداة لسؤال: كيف يُحل؟ وبأي شروط؟ ما الذي يمنع “الحماية” من أن تتحول إلى ابتزاز سياسي دائم؟ ما الآليات التي تمنع تحويل الخوف الشعبي إلى تفويض مفتوح؟ متى تصبح “الحماية” مبررًا لإقصاء السياسة، ومتى تصبح السياسة قادرة على إعادة الجيش إلى وظيفته الطبيعية دون إذلاله ودون تقديسه؟”
++ معتصم: لا يوجد في مقالي ما يمنع “الحماية” من أن تتحول إلى ابتزاز سياسي دائم أو مؤقت ولا ما يعطي تفويض مفتوح لأي جهة ولا ما يعطي مبررًا لإقصاء السياسة ولا ما يمنع من إعادة الجيش إلى وظيفته الطبيعية دون تقديسه.
أضف إلي ذلك تحفظ علي مصطلح “الوظيفة الطبيعية للجيش”. مرة أخري الجيش ليس من ظواهر الطبيعة بل من منتجات الإجتماع البشري تتبدل صوره ووظائفه مع حركة التاريخ وتغير شروط الإجتماع البشري. وهذا يرتبط بتحفظي علي ما قالت الدكتورة عن تاريخ الدول المستقرة وما أرتبط بذلك.
تقول د. ناهد: “ثم هناك فجوة نفسية/اجتماعية في المقال لا تقل أهمية: الحديث المتكرر عن “المواطن” الذي يهرب إلى مناطق سيطرة الجيش صحيحٌ جزئيًا بوصفه وصفًا للبحث عن الأمان، لكنه غير كافٍ تفسيرًا للشرعية السياسية. ”
++ معتصم: ما قلته عن هروب المواطن من رائحة الجنجويد حلفاء قحط أو نصفها إلي مناطق الجيش يعلي من حق المواطن في الحياة ومن حق المراة ألا تغتصب ومن حق الشيخ ألا يهان. إذا كانت الدكتورة تري في ذلك “فجوة نفسية، واجتماعية” فلها ذلك. اللهم كبر وزد فجواتنا.
تقول د. ناهد: “فالناس في الحرب لا تتحرك دائمًا وفق قناعة، بل وفق النجاة. الهروب من مناطق الميليشيات لا يعني تفويضًا مطلقًا للمؤسسة التي تمنحك أمانًا نسبيًا، تمامًا كما أن رفضك للفوضى لا يعني قبولك بوصاية دائمة.”
++ معتصم: مقالي المكرر يقول بأن هروب الناس من دار جنجا إلي دار جيش يشير إلي فرق جوهري بين الكائنين ولا يقول بإعطاء “تفويضًا مطلقًا للمؤسسة “. هذا من إختراع الدكتورة .
تقول د. ناهد: “علم النفس السياسي يقول لنا شيئًا بسيطًا: الناس لا تختار العسكر حبًا في العسكر؛ كثيرًا ما تختارهم هربًا من فشل المدنيين… وهذا الفشل لا ينبغي أن يتحول إلى شيك على بياض.”
++ معتصم: هذه الملاحظة مبذولة للجميع ولا تحتاج لإستدعاء علم النفس السياسي أو غيره . ولم يعط مقالي أي جهة شيكا علي بياض.
تقول د. ناهد: ” لكن الفرق بيننا – كما أراه – هو أنني أخاف من شيء آخر بالقدر نفسه: أخاف من تحويل هذه المخاوف إلى “منطق شرعية” يجعل السياسة ملحقًا بالسلاح، ويجعل مساءلة الجيش جريمة، ويجعل الدولة رهينة مزاج القوة لا عقد المواطنة”.
معتصم: مرة أخري لا يوجد في أي شيء كتبته في ألف عام “ما يجعل مساءلة الجيش جريمة، ويجعل الدولة رهينة مزاج القوة”. ولكن الدكتورة دائما تنسب إلي ضمنيا مواقف لا تمثلني لتهدمها بسهولة.
تقول د. ناهد: “هي أن حماية الدولة لا تمر عبر إسكات النقاش حول تسييس الجيش”.
++ معتصم: لم أسكت أي نقاش حول تسييس الجيش. تحدثت عن وجود مخطط إستعماري لتدمير مؤسسات الدولة السودانية ويشارك فيه سودانيون يأكلون لحم أخيهم ميتا. هذه هي نقطتي المركزية التي تحاشت د. ناهد التعامل معها وشيدت ألف رجل قش للإلتفاف حولها.
– ختاما لا بد من الإشادة بتهذيب د. ناهد في الخلاف علي مستوي العرض والاسلوب رغم أن إختراع نص مواز وهدمه لا يخلو من عنف مفرط ضحيته الحقيقة والحوار المثمر.
ينتهي رد معتصم هنا ويبدا مقال د. ناهد كما هو
كتبت الدكتورة ناهد الحسن في ردها علي مقالي بعنوان ” حملة تفتيت السودان: نزع الشرعية عن الجيش كاستراتيجية جيوسياسية”
اولا اشكرا الاستاذ معتصم الاقرع على هذا الجهد الفكري، و استأذنه، واستسمحه في نشر تعقيبي على مقاله في صفحتي ، حيث لم استطع لصقه في نفس البوست لطول المقال..
قراءة موازية لمقال معتصم الأقرع: بين خوف الدولة وفتنة “الشرعية المفتوحة”
قرأتُ مقال الأستاذ معتصم الأقرع بعينين في آنٍ واحد: عينٍ ترى القلق الوجودي الذي يتكلم منه، وعينٍ تتفحص الأدوات التي يستعملها وهو يحاول حماية الدولة من التفكك. لا يصعب فهم منطلق المقال في بلدٍ تحوّلت فيه الحرب إلى آلة طحن، وصار السؤال الأول عند كثيرين هو: ماذا يبقى إن انهارت آخر مؤسسة قادرة على فرض حدٍّ أدنى من النظام؟ في هذا المناخ، تبدو سردية “الدولة المهدَّدة” سردية طبيعية؛ فالناس لا تُفكّر وهي تنزف بالطريقة نفسها التي تفكّر بها وهي آمنة.
لكن المشكلة – في تقديري – لا تبدأ من السؤال، بل من طريقة الإجابة. لأن الخوف، حين يصبح مرجعية سياسية، لا يظل خوفًا فقط… يتحول إلى “أداة حكم”.
يقدّم مقال الأقرع الجيش بوصفه العمود الأخير للدولة، والحاجز الأخير أمام التفتيت، ويُحذّر من “نزع الشرعية” عنه كجزء من مشروع جيوسياسي لتفكيك الدول. هذه النقطة تحمل حقيقةً لا يجوز إنكارها: هناك تاريخ طويل من مشاريع “إضعاف الدول” عبر شقوقها الداخلية، وهناك توظيف خارجي حقيقي للصراعات الأهلية. كما أن انهيار مؤسسة الدولة في أي بلدٍ يفتح الباب أمام الميليشيات والاقتصادات الوحشية، ويضع المواطن العادي تحت رحمة السلاح غير المنضبط.
لكن هنا تظهر المفارقة التي تحتاج أن تُقال بوضوح دون تخوين أحد: ليس كل نقدٍ لتسييس الجيش هو “حملة تفتيت”، وليس كل دفاعٍ عن الجيش هو “تواطؤ مع الاستبداد”. الدولة الحديثة لا تُحمى بتقديس مؤسسة، ولا تُبنى بجلدها. الدولة تُحمى حين تُميّز بين “المؤسسة” و“دورها السياسي”، وحين تجعل الوظيفة العسكرية واضحة الحدود: حماية الوطن لا حكمه.
في المقال انزلاقٌ واضح – ربما بلا قصد – من تحليل جيوسياسي إلى استقطاب أخلاقي. يبدأ الكلام عن تفكيك الدول والحروب الهجينة، ثم يتبدّل المعجم فجأة: ناقدو الجيش يُصبحون “عملاء أو أغبياء”، وتُستدعى صورة “العميل الذي لا يدري أنه عميل” لتفسير اختلاف سياسي أو احتجاج مدني. هذا النوع من التفسير قد يكون مريحًا نفسيًا لأنه يبسّط العالم: خيرٌ وشر. لكنه سياسيًا يضر الدولة التي يريد حمايتها، لأنه يغلق الباب أمام المساءلة العقلانية، ويضع كل نقدٍ في خانة الخيانة، ثم يتساءل لماذا تزداد العزلة والانقسام.
الأخطر في هذا المنطق أنه يخلط بين نقد تسييس الجيش وبين تفكيك الدولة نفسها. كأن القول: “نريد جيشًا مهنيًا غير مسيّس” يُعاد ترجمته إلى: “نريد إسقاط آخر سقف للدولة”. بينما تاريخ الدول التي نجحت في بناء ديمقراطية مستقرة يقول شيئًا مختلفًا: المساءلة ليست هدمًا، ونقد تسييس الجيش ليس عداء للجيش، بل شرط لإنقاذه من التحول إلى لاعبٍ سياسي دائم. عندما يصبح الجيش جزءًا من المعادلة السياسية اليومية، تتآكل مهنيته من الداخل، ويتحول الوطن إلى ساحة “مكاسب وخسائر”، لا إلى مساحة خدمة عامة. هنا تُضعف السياسة الجيش، ويُضعف الجيش السياسة، وتدخل الدولة في حلقة لا تنتهي.
يستدعي المقال “الديالكتيك” ليقول إن الجيش يحمل نقيضين: القمع والحماية. وهذه حقيقةٌ تُرى في التاريخ وفي السودان أيضًا. لكن الديالكتيك ليس متحفًا لوصف التناقض، بل أداة لسؤال: كيف يُحل؟ وبأي شروط؟ ما الذي يمنع “الحماية” من أن تتحول إلى ابتزاز سياسي دائم؟ ما الآليات التي تمنع تحويل الخوف الشعبي إلى تفويض مفتوح؟ متى تصبح “الحماية” مبررًا لإقصاء السياسة، ومتى تصبح السياسة قادرة على إعادة الجيش إلى وظيفته الطبيعية دون إذلاله ودون تقديسه؟
ثم هناك فجوة نفسية/اجتماعية في المقال لا تقل أهمية: الحديث المتكرر عن “المواطن” الذي يهرب إلى مناطق سيطرة الجيش صحيحٌ جزئيًا بوصفه وصفًا للبحث عن الأمان، لكنه غير كافٍ تفسيرًا للشرعية السياسية. فالناس في الحرب لا تتحرك دائمًا وفق قناعة، بل وفق النجاة. الهروب من مناطق الميليشيات لا يعني تفويضًا مطلقًا للمؤسسة التي تمنحك أمانًا نسبيًا، تمامًا كما أن رفضك للفوضى لا يعني قبولك بوصاية دائمة. علم النفس السياسي يقول لنا شيئًا بسيطًا: الناس لا تختار العسكر حبًا في العسكر؛ كثيرًا ما تختارهم هربًا من فشل المدنيين… وهذا الفشل لا ينبغي أن يتحول إلى شيك على بياض.
ولأنني لا أكتب من موقع خصومة، أقول إن في مقال الأقرع نقطة التقاء مهمة يمكن البناء عليها: رفض الفوضى والميليشيات، والاعتراف بخطورة الفراغ، والتنبيه إلى أن هدم المؤسسات كليًا يفتح أبواب الجحيم على المواطن. هذه نقاط صحيحة. لكن الفرق بيننا – كما أراه – هو أنني أخاف من شيء آخر بالقدر نفسه: أخاف من تحويل هذه المخاوف إلى “منطق شرعية” يجعل السياسة ملحقًا بالسلاح، ويجعل مساءلة الجيش جريمة، ويجعل الدولة رهينة مزاج القوة لا عقد المواطنة.
الخلاصة التي أريدها – دون وصاية أخلاقية ودون عصا من المنتصف – هي أن حماية الدولة لا تمر عبر إسكات النقاش حول تسييس الجيش، كما لا تمر عبر شيطنة المؤسسة. حماية الدولة تمر عبر طريق أصعب: بناء سياسة مدنية قادرة، تملك أدوات التنظيم لا مجرد الهتاف، وتستطيع أن تفاوض وتضغط وتُنتج عقدًا جديدًا يضمن جيشًا مهنيًا قويًا داخل الدولة لا فوقها، ويضع السلاح في خدمة القانون لا القانون في خدمة السلاح.
أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس نقد جيشها، بل أن تُسلّم سياستها للخوف، وتطلب من السلاح أن يحلّ ما عجزت عن حله بالكلمة والتنظيم.
وحين يحدث ذلك… يصبح كل ما نخافه من التفتيت أقرب، لا أبعد.
معتصم اقرع






