رأي ومقالات

حملة تفتيت السودان: نزع الشرعية عن الجيش كاستراتيجية جيوسياسية

حملة تفتيت السودان: نزع الشرعية عن الجيش كاستراتيجية جيوسياسية
يدرك المطلعون على التاريخ والجغرافيا السياسية المعاصرة وجود مشروع مستمر منذ عقود يهدف إلى تفكيك الدول ذات السيادة في الشرق الأوسط. يتمثل الهدف في تفتيت المنطقة إلى كيانات متصارعة، أصغر وأضعف، وحدات منقسمة للغاية بحيث لا تستطيع التطور بشكل مستقل، وبالتالي فهي عرضة للسيطرة والاستغلال الخارجيين.

تتجلى هذه الاستراتيجية عبر وسائل ومراحل مختلفة، من الغزوات العسكرية المباشرة إلى المفاقمة المتعمدة للانقسامات الداخلية، سواء كانت عرقية أو طائفية أو دينية أو إقليمية بما لا يستهدف الحكومات العابرة فحسب، بل يطال مؤسسات الدولة الركيزة، وفي مقدمتها الجيوش الوطنية.

وفي صلب هذه الاستراتيجية وجضومها ، يأتي تكتيك “نزع الشرعية” كسلاح فعّال. في السودان، تجسّد هذا التكتيك في حملة منظّمة لتشويه صورة الجيش الوطني ونزع شرعيته، رغم كونه العمود الفقري الأخير للدولة ومصدر الأمن الوحيد لملايين المواطنين. إن إسقاط هذه المؤسسة يعني، ببساطة، إسقاط آخر سقف يحمي ما تبقّى من كيان الدولة.

تتمثل إحدى التكتيكات الرئيسية في هذا المخطط في نزع الشرعية المنهجي عن الدول والحكومات، والذي غالبًا ما يتم من خلال نقد ليبرالي انتقائي معقول أحيانا وجزافي ذاهل عن السياق كثيرا. في السودان، تجلى ذلك في حملة منسقة لتقويض شرعية الجيش الوطني باعتباره يمثل عماد الدولة وأحد آخر المؤسسات الوطنية الفاعلة المتبقية؛ لذا فإن تآكله خطوة حاسمة في الخطة الأوسع.

وتكمن خطورة هذا التكتيك في قدرته على استقطاب نخب محلية تؤدّي الدور نيابة عن أطراف خارجية، دون أن تدرك ذلك بالضرورة. فبحسب أدبيات الاستخبارات، يبلغ العميل ذروة فاعليته حين يستبطن أجندة مُموّليه ويعتقد أنها أفكاره الخاصة و”نضاله” الأخلاقي المشروع. وهكذا، نرى من يعلن “الجهاد” على الجيش باسم الحرية والديمقراطية، وهو في الواقع يمهّد الطريق لدخول الإستعمار وقوى الفوضى والميليشيات، التي لن تحترم لا حرية ولا ديمقراطية.
كما هو مذكور في أدبيات فنون الاستخبارات، يصبح العميل أكثر فعالية عندما يتبنى أجندة داعميه الأجانب، معتقدًا أن هذه الأهداف الخارجية هي في الواقع تطلعاته السياسية المشروعة والأخلاقية. وترى أدبيات التحكم أن الجاسوس أو العميل يبلغ ذروة فعاليته عندما يؤمن بأن خطط أسياده الأجانب هي أهدافه الخاصة التي أنتجها وصممها بنفسه إذ يعتبرها طموحات سياسية مشروعة وأخلاقية في حد ذاتها.

هذه النخب، في فقرها الفكري وانبهارها الأعمى بالنموذج الغربي، تتعامل مع الواقع برؤية ثنائية قاصرة: إمّا ملاك وإمّا شيطان. وهي، تحت وطأة هذه الرؤية، تختزل الجيش في جرائمه وأخطائه (وهي بلا شك فادحة وكبيرة كمذبحة فض الاعتصام) لتجعل منها مبرّراً كافياً لتدمير المؤسسة برمّتها. إنها ترى العضو المتقيّح فتُصرّ على بتره، غافلةً عن أن البتر يعني نزيفاً مميتاً للجسد كله، وأن العلاج -رغم صعوبته- ممكن.تري برجوازية الجهاد ضد الجيش إلي العالم بمنظور إما ملاك أو شيطان. وتري ان وجود أي عيب مبرر كاف لنسف كامل البنيان العسكري ولا يهم أن تكلفة الفراغ الناجم ستكون وبالا علي المجتمع الذي ستتضاعف معاناته آلاف المرات.
أن الجيش مثل الساعد أن فسد جزء منه وتقيح وجب إصلاحه وتطبيبه لا حرقه. أما من أراد بتره في سياق ياكل فيه القوي الضعيف فهو أما أحمق من الدرجة الرابعة أو عميل بمحض إرادته أو عن غباء.

ولا يري العميل ماذا حدث للمواطن في المناطق التي انهارت فيها الدولة وماذا فعلت الميليشيات والعصابات بالناس كما لا يري أن المواطن يهرب من مناطق انهيار سلطة الدولة إلي المناطق التي يسيطر عليها الجيش. ولكن متي كانت شهادة المواطن والتصويت بقدمي نزوحه تهم مثقفين يعتقدون أن المواطن مجرد خروف معلوف؟
من المؤسف أن تضطر أن تشرح لمن بلغ العاشرة من العمر أن أسوأ ما قام به الجيش، مثل مذبحة فض الإعتصام، لا يبرر تدمير الدولة ونشر الفوضى التي نجم عنها إنهيار جزئي للدولة وقتل ملايين السودانيين ونزوح أكثر من أثني عشر مليون إلي منافي مسغبة. هذا المواطن، الذي يُنظر إليه أحياناً بازدراء وكأنه “خروف معلوف”، هو من يقدّم الشهادة الأصدق بقدميه: فهو يهرب من مناطق سيطرة الميليشيات والعصابات إلى المناطق التي يسيطر عليها الجيش، مهما كانت عيوبه. وهو من يدفع الثمن: ملايين القتلى والنازحين، ومجتمع ينهار تحت وطأة حرب الجميع ضد الجميع. وحين يهرب المواطن إلي الخارج، ينزح إلي دول يضمن أمنها جيش قوي لا نيرفانا أناركية سابقة لأوانها كما في صومال أو كونغو.

ولا ننسي أن الجيش مركب معقد فيه مئات الألاف من بسطاء الجند والضباط ومعظمهم أبطال، أنقياء، يضعون حياتهم علي المحك يوميا لحماية التراب إذ تنام ملايين النساء في أمن وأمان بفضل جندي يحمل نعشه علي كتفه ويسهر علي جوع أو عدس بائس.
ولكن الجماعات العرمانة لوراثة امتيازات السلطة لا تري هؤلاء الجنود والضباط من طينة محمد صديق والاف الجند المجهولين مثله أو أحسن ولكنها تري فقط البرهان وكبار ضباطه ربما لان العرمانين يتشوقون لوراثة إمتيازات من يرون من قصور ومركبات وسلطة للركب ومال للخناق كما يعتقدون.

لن نكتفي بملاحظة الجهل الفلسفي في العداء للجيش، ذلك الجهل الذي لم يفهم الديالكتيك، نسبة لان النفاق سمة من أهم سمات المجاهدين ضد الجيش. لا يجوز الاكتفاء برؤية العجز الفكري للنخب التي أعلنت الجهاد علي الجيش فهي لم تقرأ هيغل أو لم تفهمه، أو نسته كما كما هو حال فلول اليسار. ففي الجدل أن الظاهرة تحمل النقيضين داخلها. ولو طبقناه علي الجيش نري أنه هو نفس الجيش الذي قمع الحريات وارتكب مجزرة أو مجازر ولكنه نفس الجيش الذي يحمي البلاد من أن يسرقها الأعادي ويحمي النساء من الإغتصاب وفي ظل الأمن الذي يوفره تذهب البنات إلي المدارس لصيبحن مهندسات أو دايات وبتاعات بيديكير أو ستات شاي بدلا من أن يحبلن من جنجويدي ضرب الجد وسرق المصوغات وأودع بذرة حرام في بطونهن ثم ذهب إلي جحيمه الخاص.

ولا تري البرجوازية التابعة أن رفض جيش القمع يعني رفض قمعه فقط ولا يعني رفض تصديه للغزاة وميليشيات الإجرام والفوضى. وان الجيش في حالة القمع أداة السلطة غير العادلة لإعادة إنتاج امتيازاتها ولكنه في حال التصدي للغزاة والمليشيات المجرمة هو آخر أدوات المجتمع لحماية وجوده وهويته وثقافته وحقه في البقاء بين أمم تكالبت عليه.

الأكثر تناقضاً، أن هؤلاء “المحرّرين” المتّشحين بشعارات ليبرالية، يتقاطعون عملياً مع أشدّ الأنظمة عنصرية وانتهاكاً لحقوق الإنسان في العالم، ويقبلون دعمها السياسي والعسكري. إنه تناقض يكشف عن انتهازية سياسية ونفاق أيديولوجي، حيث تُستدعى المبادئ انتقائياً لتخدم غاية واحدة: هدم الدولة القائمة، دون أي اعتبار للثمن البشري الهائل الذي سيدفعه المواطن البسيط.

هم قوم يقدسون كل ما ياتى من الغرب من غث وثمين ونفايات ما عدا احترام شعوب الغرب لجيوشها. وهم في ذروة العداء للجيش بإسم قيم دين الليبرالية تراهم في تحالف مع دول منسكبة من كتب ابن خلدون وأبعد من الديمقراطية بملايين السنين الضوئية ومنها دول فصل عنصري وتطهير عرقي. ولا يهم محررو العبيد من الزرقة أو الجلابة الجدد المتحالفين معهم أن داعميهم بالمال والسلاح وتصاريح السفر من أسوأ منتهكي حقوق الإنسان وخارقى القانون الدولي ومبادئ الأخلاق.

الخلاصة ليست في تبرئة الجيش من أخطائه الجسيمة، ولكن في الفهم الديالكتيكي للواقع: المؤسسة تحمل في داخلها نقيضَي القمع والحماية. تدميرها يعني اختيار الفوضى والموت الجماعي، وهو ثمن يفوق بأشواط كل ما ارتكبته من أخطاء. الإصلاح، رغم شوكة طريقه، هو الخيار الوحيد أمام مجتمع يريد أن يبقى. أما الدعوة إلى “الفراغ” فليست سوى ضربٌ من الغباء السياسي أو التواطؤ المباشر مع مخططات التفتيت، وهي في النهاية خيانة للمواطن الذي يبحث، ببساطة، عن سقف يأويه من عصف الفوضى ووحشية الميليشيات.

في الختام نلاحظ أن الشعب الذي يقولون عنه حيوان معلوف لا يحتاج لهيغيل أو متقعر متبرقع لينير له طريق. ولكن الصفوة المتعلمة تحتاج لدرس العصر هذا ومعاهو درس صباح. فنفس النساء اللائي زغردن لأبطال ثورة ديسمبر ووفروا لهم الحماية وشربات الليمون داخل دورهن ثم شتمن الجيش، هم نفس النساء اللائي يزغردن عند دخول الجيش إلي مناطقهن بعد طرد الجنجويد. ثم لا يرون حرجا أو تناقضا ذلك لأنهن هضمن الديالكتيك بالفطرة لا من الكتب .

ومثلهن الاف الشباب الذين اسقطوا نظام البشير ببسالة ثم استنفروا مع الجيش لصد العدوان الأجنبي علي رماح الجنجويد. وهذه الصفحة معهن فهي ترفض عنف الجيش غير المبرر وتقبل قيامه بواجبه الدستوري وتثمن حس الشجاعة والتضحية.

معتصم اقرع
معتصم اقرع
معتصم اقرع