رأي ومقالات

البرلمان السوداني: شرعية الانتخاب أم ضرورة التعيين في زمن الحرب؟

ما زال السودان يسير على رجل واحدة، فغياب السلطة التشريعية المنتخبة منذ أبريل 2019 يجعل كفة السلطة التنفيذية – بمكونيها العسكري والمدني – هي الراجحة في معادلة الحكم. من هنا تأتي الأهمية المصيرية للقاء الذي جمع مؤخرًا رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بعدد من القوى السياسية، حيث أُعيد فتح ملف “الفريضة السياسية الغائبة”: البرلمان الانتقالي.

الإطار الدستوري: سُلطات واسعة وتمثيل ناقص

نصت الوثيقة الدستورية لعام 2019 وتعديلها لاحقًا على إنشاء مجلس تشريعي انتقالي كسلطة تشريعية مستقلة، على أن لا يزيد أعضاؤه عن ثلاثمائة عضو، مع مراعاة تمثيل أطراف العملية السياسية والقوى الوطنية والنساء. ولم تحدد الوثيقة الدستورية المعدلة في 2025م آلية واضحة للتكوين، تاركة الباب مفتوحًا أمام التعيين أو الانتخاب. على عكس الوثيقة الدستورية 2019م التى نصت بوضوح على آلية الاختيار وليس الانتخاب.

هذا المجلس ليس هيئة شكلية، فسلطاته – حسب الوثيقة تعديل 2025 – جوهرية وتشمل: التشريع، ومراقبة أداء الحكومة وسحب الثقة منها، وإجازة الموازنة، والمصادقة على المعاهدات، وحتى التوصية بإعفاء رئيس الوزراء. فهو صمام الأمان الدستوري والمصدر الأساسي للشرعية الشعبية لأي حكم.

الانتخاب: المبدأ المثالي والمعضلة الواقعية

نظريًا، لا جدال أن البرلمان المنتخب هو التعبير الأصيل عن إرادة الشعب وحجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي. لكن عمليًا، تطرح الظروف الراهنة أسئلة عسيرة:
كيف تُجرى انتخابات حرة ونزيهة في ولايات تعصف بها الحرب وتتعرض بنيتها التحتية للتدمير؟ وأين الناخبون من مشرّدين ونازحين؟ وأي قانون انتخابي سيُعمل به في غياب المؤسسات القادرة على التنظيم والرقابة، وأين هي مفوضية الانتخابات أصلاً؟ فواقع الحال يشير إلى أن الاستعداد لانتخابات شاملة يستلزم فترة طويلة من الاستقرار وإعادة الإعمار، وهو ما لا يتوفر اليوم.

التعيين: الخيار العملي وشروط النجاح

إزاء هذه المعطيات، يبرز خيار التشكيل بالتعيين كمسار عملي لاكتساب الوقت وبناء المسار الديمقراطي. فهو ليس بديلاً عن الانتخاب، بل مرحلة انتقالية لاستكمال مؤسسات الدولة. لكن نجاح هذا الخيار وحيازته لقبول شعبي نسبي مرهون بشروط صارمة:

1. آلية شفافة: أن يتم عبر حوار وطني يشارك فيه الجميع، وتشكيل لجنة ترشيح وطنية مستقلة.
2. معايير تمثيل عادلة: أن يكون التمثيل مزيجًا حقيقيًا يعكس روح المجتمع السوداني، يضم:
· ممثلين عن الولايات ترشحهم الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية النزيهة.
· شخصيات وطنية مستقلة من ذوي الكفاءة والخبرة.
· متقاعدي القوات النظامية من أصحاب الخبرة.
· ممثلين للأحزاب السياسية وفق وزنها الفعلي وموقفها الوطني من الراهن السوداني وحرب الدولة ضد التمرد، وليس تاريخها الحزبي فحسب.

التحديات والمخاطر:

لا يخلو خيار التعيين من مخاطر، أبرزها اتهامه بعدم الشرعية الكاملة، وإمكانية تحوله إلى أداة لتمرير أجندات ضيقة، وصعوبة تحقيق التوازنات الجهوية والإثنية بشكل يرضي الجميع. ولتجنب هذه المخاطر، يجب أن تكون النية السياسية واضحة وجلية.

نحو برلمان يستعيد هيبة الدولة
إن التوقيت والنية هما معيارا مصداقية هذه الخطوة. فإن كان الهدف استكمال مؤسسات الدولة وتوسيع المشاركة الوطنية، فستكون لبنة حقيقية على طريق العودة للحياة الدستورية. وإن كان مجرد ترتيب شكلي أو محاولة للاحتواء، فلن يكتب له البقاء أو القبول.

وعليه، فإن الدعوة موجهة إلى السادة مجلس السيادة ومجلس الوزراء والقوى السياسية والفاعلين الوطنيين لتبني خيار التشكيل بالتعيين، عبر حوار وطني عاجل يضع المعايير والآليات الواضحة، باعتباره خطوة لا غنى عنها لسد الفراغ الدستوري وتمهيد الطريق، لتحقيق السلام والاستقرار.

ختامًا الأمل أن يُشكّل البرلمان القادم على أساس وطني راسخ، يُعلي مصلحة السودان فوق كل اعتبار، ويكون فاتحة لمرحلة جديدة تُعيد للدولة هيبتها، وللدستور روحه، وللشعب ثقته في مؤسساته.

عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان