المقال الأخير … السودان شجرة “البامبو”

يشبّه الصينيون شجرة “البامبو” بالصبر، ويقولون إنها تُعلّم الإنسان كيف ينتظر. تُزرع بذرتها في الأرض، ويعتني بها المزارع يومًا بعد يوم، يسقيها ويمنحها السماد، خمس سنوات كاملة دون أن يرى منها سوى التربة الصامتة.
لكن في العام الخامس، يحدث ما يشبه “الانفجار الأخضر”؛ تنبت فجأة، تخترق الأرض نحو السماء بسرعة مذهلة، لتصل إلى ارتفاع شاهق خلال أسابيع معدودة. لم تكن تلك السنوات الخمس ضياعًا، بل كانت بناءً للجذور، وجهادًا صامتًا تحت الركام، استعدادًا لانطلاقة عظيمة.
وهكذا هو السودان اليوم، شجرة “البامبو” في هيئة وطن، سنوات الحرب القاسية مرت كأعوام الصبر العجاف. ظن البعض أن الأرض قد خلت، وأن البذرة ماتت. تهدمت المدن، وتوقفت المصانع، وتشرد الناس، وكأن الوطن في انحنائه أمام العاصفة لم يكن إلا استجماعاً للقوى، لا استسلاماً للريح.
لكن ما لم يره العالم، أنّ جذور السودان كانت تعمل بصمت وإصرار. في عمق الأرض، امتدت جذور الإرادة والانتماء. في القرى والمنافي، في المعسكرات والمدارس، في لجان الإغاثة والمبادرات الشعبية، وفي صمود الجيش، والشرطة، والمخابرات، كانت جذور السودان تنمو بخفاء. لقد أثبتت هذه المؤسسات أنها حقاً “شريكُ الاستقرار.. وضمانُ الاستمرار”، تتحدى الرياح وتعد الوطن ليوم النهوض الأكبر.
كل هذا كان إعدادًا لانطلاقة حقيقية؛ فكما لا يمكن للبامبو أن يعلو إلا بعد تثبيت جذوره، لا يمكن للسودان أن يُعاد بناؤه إلا بعد ترسيخ وحدته، واستعادة ثقته بنفسه، وإيمان مواطنيه بأن الإعمار يبدأ من بناء الإنسان قبل تشييد البنيان.
اليوم، ونحن نطل على فجر ما بعد الحرب، يقف السودان -مثل البامبو- على أعتاب انطلاقة شاهقة. سيخرج من تحت الركام، لأن جذوره أعمق من الدمار، وأقوى من كل ميليشيا، وأصدق من كل ادعاء. لقد أنبتت هذه الأرض رجالاً ونساءً يتقنون فن البقاء، ويجيدون صياغة الحياة من قلب الألم.
على مدى أكثر من ألف يوم، كنت شاهدًا على وطن يصارع الفوضى، أكتب بصوتٍ صادق عما رأته عيناي وعقلي. رافقت صمود القوات المسلحة في ذودها عن الحياض، وجهود الشرطة في حفظ الأمن، ومهام المخابرات في حماية الاستقرار، وتضحيات المجتمع المدني في تضميد الجراح. كنت خلالها محللاً وراويًا، وصوتًا للأمل والتفاؤل دون زيف، أرسم صورة وطن لا يعرف الانكسار، قلبه ينبض بالحياة رغم العواصف.
واليوم، بعد هذه الرحلة الطويلة، حان وقت “استراحة المحارب”؛ يلمم أطرافه عائدًا إلى حضن الوطن، ليبدأ هناك مرحلة جديدة من البناء والعطاء، بذات الصبر والثبات الذي علّمته إياه شجرة البامبو. أعود والوطن هو الوظيفة والمبتدأ؛ لا أبحث عن مقعد قديم أو منصب منتظر، بل عن ساحة للعطاء تليق بمواطن آمن بأن الرزق على الخالق، وأن العمل من أجل الخلق هو أسمى الغايات. همي الوحيد هو السودان، وعائلتي، وكل ما أستطيع تقديمه لوطني وأحبائي.
أختم اليوم هذه الرحلة الفكرية والمهنية، وأنا ممتن لكل قلب صادق تابع، وكل عقل اهتم. كنتم رفاق المشوار، وملهمي للاستمرار. على أمل أن نلتقي قريبًا في رحاب الوطن، حيث تبدأ قصة البناء الحقيقي، وتزدهر جذور السودان في سماء الحرية والأمل.
رسالتي الأخيرة: الأمل موجود، التفاؤل استحقاق، والوطن يستحق كل قطرة عرق وجهد.
وأختم قولي بالصلاة معظمًا: يا ربنا صلِّ وبارك وسلِّمْ على المصطفى والآلِ والصحبِ دائمًا، صلاةً تفوق المسك عطرًا مفوحًا، يطيب بها كل الوجود ويتلألأ.
عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان






