في أمسية من أمسيات أواخر شعبان، حيث تستعد القلوب لاستقبال شهر القرآن، وتهبّ نسمات المغفرة قبل حلولها، كان لدارفور موعد آخر مع التاريخ. هناك، في قاعة برج الضمان الملكية ببورتسودان، اجتمع أبناء الأرض الواحدة الذين فرقتهم سنين الجمر، وجمعهم الآن نداء الوطن. كان المشهد أشبه بلوحة فسيفسائية بديعة تتشكل أمام الأعين، كل لون فيها مكمل للآخر، وكل قطعة لا تستقيم إلا بجوار أختها. القاعة كانت تعبق بروحانية الشهر الذي ترفع فيه الأعمال، وتزينها وجوه حملت تجاعيدها حكايات من نار، ولكن العيون كانت تلمع بنور الأمل. كان الحضور كمن يمشي على بياض الأقدار، يبحث عن خيط نور في نفق طويل من الوجع. في هذا المشهد الذي يليق بعظمة السودان وتعدد أطيافه، التقت قيادات الفور مع حركة العدل والمساواة السودانية، في لقاء حمل من الرمزية ما يجعلنا نستلهم منه معنى جديداً للسلام، ونستعيد به مجد الكرامة التي لا تكتمل إلا بالعيش المشترك.
بدأ الأستاذ يسن محمد آدم جمعة، نائب الأمن السياسي، بكلمة ترحيبية أشبه بندى الصباح على زهرة التقت الغيث بعد طول ظمأ. شكر فيها قيادات أهل الفور على تلبية الدعوة بمختلف مقاماتهم السامية، مؤكداً أن اللقاء جاء من أجل الوطن، ومن أجل ترسيخ المعاني الاجتماعية والسياسية التي تجمع الناس. كان حديثه عن “ونسة وتشاور في قضايا الوطن” يحمل دفء المجالس السودانية الأصيلة، حيث تختلط الآراء وتتصافح القلوب قبل الأيادي. أراد بها مد جسر تواصل، واستماعاً إلى حكمة النخب والقيادات في ظل الوضع الراهن الذي يعاني منه الوطن الحبيب.
ثم تتابعت الكلمات كأنها قصائد منثورة على مسامع الدهر. تحدث الديمقاوي سيسي فضل سيس، رئيس الإدارة الأهلية بولاية وسط دارفور، فكان حديث الحكيم الذي عركته الأيام. لم يتحدث عن السياسة بقدر ما تحدث عن القيم، عن المعاني الاجتماعية والاقتصادية التي تجمع الناس، عن دور المجتمع في لملمة جراحه، عن ضرورة وحدة الصف “أجل دحر التمرد”. كان يعرف أن المجتمعات لا تبنى بالبنادق، بل بقيم العطاء والتكافل، وأن معركة الكرامة الحقيقية تبدأ عندما ننتصر على أنفسنا، على أحقادنا، على ذكرياتنا المؤلمة.
وجاء دور الدكتور أمين محمود محمد عثمان، الأمين العام للمؤتمر الشعبي، فتحول الحديث فجأة إلى آفاق أرحب. تحدث عن بناء الوطن، عن المستقبل، عن مشروع نهضوي لا يقوم إلا على أسس متينة من العدالة والمساواة. كان صوته يشبه من ينحت في الصخر ليشق نهراً للحياة، مؤكداً أن السلام الحقيقي لا يصنع في القصور، بل في القرى، بين الناس، في لقاءات القيادات التقليدية، في المصافحات التي تتبع الخلافات.
ثم ارتفع صوت السلطان المكلف السلطان صلاح فضل، كهديل الحمام بعد عاصفة. استحضر تاريخاً طويلاً من التواصل بين قيادات الفور وحركة العدل والمساواة، لم يبدأ اليوم، بل كان ممتداً عبر محطات شاقة: من ليبيا، إلى باريس، ثم أبوجا، فالدوحة وقطر. كانت تلك المحطات شاهدة على أن الحوار لم ينقطع، وأن خيوط الأمل كانت دائماً موجودة، حتى في أحلك الظروف.
وأضاء الوالي جنرال مصطفى نصرين تمبور، والي ولاية وسط دارفور، المشهد باستعراضه محطات تاريخية جمعت حركة تحرير السودان مع حركة العدل والمساواة السودانية في جوبا، ومصر في عين السخنة، متذكراً مذكرة التفاهم التي وقعت في نوفمبر عام 2019 في العاصمة القطرية الدوحة. تقدم بالشكر لقيادات الحركة من أبناء الكيان على المبادرة بتنظيم هذا اللقاء الذي جمع قيادات الكيان من علماء وأساتذة جامعات وقيادات شبابية، يتقدمهم الأستاذ محمد يوسف عبد الله، واللواء يحي، واللواء عثمان، وبروفيسور طلحة الزبير، وشمو دينار. وأحيا الأخوين الأستاذ يسن محمد والمهندس آدم أبكر عيسى على تنظيمهما لهذا اللقاء المبارك. وأكد بلهفة المنتظر أننا “قريباً سوف نحتفل في الإقليم بدارفور”، وأن المعركة مستمرة “أجل تحرير كل شبر من تراب الوطن”. ثم رفع روح الشهداء والجرحى قائلاً: “لولا جهدكم لما تحققت هذه اللحظة”.
ثم كان للدكتور جبريل إبراهيم محمد، رئيس حركة العدل والمساواة السودانية ووزير المالية والتخطيط الاقتصادي، كلمة أضاءت المكان بحضوره الذي حمل في عينيه مسيرة طويلة من النضال. جاء ليؤكد أن المعارك الحقيقية تبدأ عندما نضع أوزارها جانباً، ونبدأ في بناء ما دمرته الحرب. تحدث عن أهمية التعليم، مؤكداً أن الوزراء سيبذلون ما يمكنهم بالتنسيق مع ولاة الولايات من أجل جلوس جميع طلاب إقليم دارفور لامتحانات الشهادة السودانية. كانت كلمته بمثابة بيان شرف جديد حين قال: “إن عملنا المشترك هو من أجل رد كرامة الإنسان السوداني، خاصة النازحين والمهجرين”. كلمة صادقة لامست القلوب، لأنها تحدثت عن أكثر جراح السودان إيلاماً: جراح البسطاء الذين دفعوا ثمن حروب لم يصنعوها. وأكد على الدور المحوري للمجتمع الأهلي في رتق النسيج الاجتماعي، وفي حشد طاقات الشباب نحو معركة الكرامة، وبناء السلام الاجتماعي ونبذ خطاب الكراهية.
واختتم الأستاذ صلاح الدين آدم تور،(رصاص) عضو مجلس السيادة ورئيس حركة تحرير السودان المجلس الانتقالي ، بكلمة حملت صوت الدولة الحريصة على لملمة الجراح. أكد في كلمته الجامعة على أهمية مثل هذه اللقاءات الأهلية، ودور المجتمع الأهلي في بناء الوطن وتحقيق السلام الاجتماعي. كان يعرف أن الدولة مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها صنع السلام. السلام يصنعه الناس، في بيوتهم، في مساجدهم، في مجالسهم، في لقاءاتهم البسيطة التي تجمع القلوب قبل العقول.
ما الذي يعنيه الحديث عن “الكرامة” في سياق مثل هذا اللقاء؟ الكرامة ليست مجرد كلمة نرددها. الكرامة هي أن ينام الطفل مطمئناً في فراشه دون أن يوقظه دوي الرصاص. الكرامة هي أن يعود النازح إلى أرضه، يشم ترابها، ويزرع فيها قمحه. الكرامة هي أن يعترف الجميع بأن لا غالب ولا مغلوب، وأن النصر الحقيقي هو أن نعيش جميعاً تحت سماء واحدة. لقد عانى إقليم دارفور طويلاً من ويلات الحرب. سقط الشهيد، وهُجر المدني، وتشتتت الأسر. ولكن في لقاء أواخر شعبان هذا، كانت هناك رسالة واضحة: معركة الكرامة الحقيقية هي أن ننتصر على أنفسنا. إنها كرامة الإنسان السوداني أينما كان، كرامة لا تقبل التجزئة، ولا تعترف بالحدود الجهوية أو القبلية. هي كرامة شاملة، تبدأ من الفرد، وتتسع لتشمل المجتمع بأسره.
في عالم يعج بالصراعات، يبقى السودان نموذجاً فريداً للتعدد والتنوع. وفي دارفور تحديداً، تتعانق القبائل والأعراق في نسيج لا ينفصم. ما يجمع أبناء الفور والعدل والمساواة، وغيرهم من مكونات الإقليم، هو مصير مشترك، وتاريخ مشترك، وأرض مشتركة. المصير المشترك يعني أن ما يؤلم أحدنا يؤلم الآخر، وأن ما يفرح أحدنا يفرح الآخر. هو اعتراف بأنه لا يمكن لأي طرف أن يحقق النصر بمفرده، وأن الهزيمة إذا حلت بواحد، فإنها ستحل بالجميع. هو إدراك أن الاستقرار في دارفور يعني استقرار السودان كله، وأن أي اضطراب في هذه الرقعة الغالية من الوطن سينعكس على كل الولايات. لقد أدرك المجتمعون في تلك الأمسية الشعبانية أن بناء السلم الاجتماعي ليس ترفاً فكرياً، ولا شعاراً سياسياً، بل هو ضرورة وجودية. لا يمكن للإقليم أن يتعافى دون مصالحة حقيقية. ولا يمكن للاقتصاد أن ينتعش دون استقرار. ولا يمكن للأجيال القادمة أن تحلم بمستقبل أفضل دون أن نزرع اليوم بذور التسامح والمغفرة.
الحرب قد تكون سريعة، ولكن بناء السلام بطيء وشاق. إنه مثل زراعة شجرة بلوط، تحتاج إلى سنين حتى تثمر. وما بعد الحرب في دارفور يحتاج إلى رؤية ثاقبة، وإرادة صلبة، وقدرة على تجاوز الجراح. اللقاء الذي جمع أعيان الفور وحركة العدل والمساواة هو نموذج لهذا المسار الطويل. لقد تحدثوا عن “التسامح فوق الجرح”. عبارة عميقة، تعني أن الجرح لا يزال موجوداً، ولكننا اخترنا ألا نتركه يقودنا. اخترنا أن نضمد الجراح لا أن نفتحها. اخترنا أن نغفر لا أن ننتقم. ما بعد الحرب يحتاج إلى عدالة انتقالية ترد الحقوق لأصحابها دون أن تتحول إلى ثأر، وتنمية اقتصادية تشمل الجميع وتعيد للمهجرين كرامتهم، وحوار مجتمعي مستمر يشارك فيه الجميع ويعترف بكل الآلام، ومؤسسات قوية قادرة على حماية السلام وصونه.
لم يكن اختيار زمان ومكان هذا اللقاء صدفة. فشهر شعبان هو شهر الاستعداد الروحي، شهر التهيؤ لرمضان، شهر رفع الأعمال. وفي هذا الشهر، تتهيأ القلوب للتوبة والمغفرة والعودة إلى الفطرة. وفي دارفور، أرض الجبال والسهول، أرض التاريخ والحضارة، كان اللقاء. دارفور التي عانت أكثر مما يحتمل البشر، والتي تمسكت دائماً بالأمل رغم كل شيء. دارفور التي ترفض أن تكون وصمة في جبين السودان، بل تريد أن تكون درة في تاجه. وحضور السلطان المكلف والديمقاوي كان تأكيداً على أن الإدارة الأهلية لا تزال حية، لا تزال قادرة على جمع الناس، لا تزال تملك من الحكمة ما يسعف الدولة في مهمتها الصعبة.
في نهاية تلك الأمسية الشعبانية الدافئة، خرج الجميع وهم يشعرون بشيء مختلف. كانوا يشعرون أنهم شاركوا في كتابة صفحة جديدة من تاريخ دارفور. صفحة لا تخلو من الألم، ولكنها مليئة بالأمل. لقد أثبت المجتمعون أن الحوار ممكن، أن اللقاء ممكن، أن التسامح ممكن. أثبتوا أن الكرامة لا تتحقق بالسلاح، بل بالمصافحة. وأن المصير المشترك ليس شعاراً، بل هو حقيقة لا مفر منها.
تبقى الكلمة الأخيرة للدكتور جبريل إبراهيم حين قال: “نحن هنا من أجل كرامة الإنسان السوداني”. هذه العبارة وحدها تكفي. فالكرامة هي البوصلة التي يجب أن توجه كل خطواتنا. كرامة النازح، كرامة الجريح، كرامة الفقير، كرامة كل من عانى. وإذا كان السلام هو المعركة الأصعب، فإن لقاء أواخر شعبان في دارفور يثبت أننا مستعدون لهذه المعركة. مستعدون لأن ننتصر فيها، لأننا نعلم أن خسارتها تعني خسارة كل شيء.
رحم الله شهداء السودان، وألهم أحياءه طريق السلام، وجمع كلمتهم على ما فيه خير هذه الأرض الطيبة.
“وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله”
صدق الله العظيم
أمسية شعبانية في دارفور: حوار الكرامة والمصير “لقاءات قيادات الفور مع دكتور جبريل”

أصداء الوعي
ادم ابكر عيسي