اللازمة السياسية في السودان .. حلول عاجلة

اللازمة السياسية في السودان .. حلول عاجلة
لا تبدوا الازمة السياسية في السودان هي أزمة حكومات او سلوك نخب حزبية؛ او أزمة أجيال متنافسة على مقاعد السلطةالعامة؛ أو ازمة إدارة استراتيجية او ازمة سوء ادارة للاقتصاد والموارد، او ازمة غياب الثقة بين المدنيين والعسكريين ؛ كما في الادبيات التقليدية المبثوثة في كل مكان، بقدر ما تظهر الازمة السياسية كأزمة لنموذج الدولة نفسها؛ اي أن المشكلة السياسية ليست فيمن يحكم، بل في شكل وطبيعة الدولة نفسها التي ورثها السودان عن العهد الاستعماري البريطاني.

وذلك باعتبار ان الدولة المركزية الحديثة في السودان قد نُقلت تقليداً من الغرب دون اعتبار للشروط التاريخية المنتجة لدولة “كتشنر”؛ وباعتبار ان المجتمعات السودانية ذات بنية ثقافية واجتماعية مختلفة. وبالنتيجة فقد نشأ اغتراب بين السلطة والمجتمع مما أدى إلى عدم الاستقرار المزمن في الحياة السياسية السودانية.

فمن منظور حضاري فان الدولة المركزية الغربية نشأت نتيجة لعدة اعتبارات؛ أهمها أنها جاءت نتيجة لتسوية صراعات دينية واجتماعية في أوروبا متلازمة مع صعود النماذج الرأسمالية والحاجة إلى ضبط السوق والمجتمع الصناعي ؛ بينما علاقات السياسة والسلطة في السودان في زمانه الحضاري ؛ يعبر مجتمع ديني، تعددي، قبلي، يقوم على روابط أهلية وثقافية ؛ فهو لم يمر بنفس المسار التاريخي الأوربي والبريطاني على وجه الخصوص.
وكان نتاج ذلك ان نقل الشكل دون شروطه التاريخية، انتج خللا بنيويا يتعلق بشرعية الدولة (النظام السياسي) مما ينعني تحمّيل النخب مسؤولية مزدوجة، كونها افترضت خطأ أن التنمية تبدأ من الدولة، واعتبار النموذج الغربي لنظم الحكم (دولة كتشنر) مسلمة نهائية، فاستغرقت النخب السياسية بمختلف طيفها السياسي فيما اسميه بوهم الدولة المنقذة (State Salvation Myth).، والذي مفاده الاعتقاد أن بناء جهاز الدولة وحده هو من يخلق التقدم.

كما كان من شروط النقل غير المشروط، ظهور حالة الاغتراب السياسي، الذي يتمظهر في أزمات مركبة، وهي اولاً: أزمة الشرعية السياسية لنموذج الدولة، فالدولة الوطنية (القومية) بنية مفروضة من اعلى وليست متجذرة الهوية في التربة الثقافية السودانية، مما نجم عنه سلسلة غير متناهية من الصراع السياسي على شرعية الدولة تمظهر في صرعات قومية/قبلية/دينية، معلومة للجميع.

ثانياً: ازمة العدالة الاجتماعية، بملحظ ان بنية الاقتصاد السوداني نشأت كتابع تاريخي للرأسمالية الغربية، مما يعني تغوّل الحالة المادية في الحياة السياسية السوداني، تمظهر في صراعات وحروب أهلية متكررة باسم التنمية والعدالة الاجتماعية وحسن توزيع الفرص والتهميش وسوء توزيع الثروة، وهلمجرا.

ان الخبرة الحضارية للسياسة في السودان تقول : ان المجتمع هو من يملك الدولة، وليست الدولة هي من تهيمن على أحوال المجتمع و”تنميه”، مما يعني ضرورة استدعاء هذه الخبرة كمقدمة ضرورية لإصلاح نموذج الدولة، أعنى اعتماد مبدأ ولاية المجتمع على السلطة.
وبناءا على هذه الخلاصة فإننا نرى أهمية وجود عقد سياسي (دستور) ينظم العلاقات الاجتماعية والثقافية في المجتمع تنظيما سياسياً، لا ان يكون مهيمنا عليها باعتبارات قانونية مفروضة من أعلي، بحسب ما تتوهمه النخبة الحاكمة.

بمعنى ان يكون النظام السياسي (النظام الدستوري)، محكوماً بالهويات الدينية والثقافية والحضارية في المجتمع، لا بغيرها، فيكون هرم الشرعية الأخلاقية والعقدية للنظام السياسي هي مرجعية إلهية (الشريعة) كمصدر القيم والشرعية. ومن ثم اعتبار سلطة المجتمع كشراكة عامة في السلطة. مع وجود نظام للقضاء المستقل والمركزي كحارس للنظام السياسي من عبث النخبة السلبي. مع وجود حكومة تنفيذية مقيدة الصلاحيات والسلطان كأداة للخدمة العامة .
اما السمة المميزة لهذا الترتيب، فهو انه غير تقليدي لأنه يجعل: الشرعية السياسية هي شرعية أخلاقية قبل أن تكون قانونية، كما الحال مع دولة (كتشنر)، والخبرة الغربية عموماً عن الدولة التي تسمي حديثة، ويتفرع عن هذا وجود نظام من السلطة العامة في المجتمع، تعبير عن نظام اتحادي رئاسي تعاهدي لامركزي عميق ذو خصوصيتين:
الاولي: وجود سلطة اتحاد أقوى سيادياً، مهمتها إنشاء نظام قانوني وإداري للحكم المحلي، وتوفير الأمن القومي والدفاع، والحفاظ على النظام والسلام العام. وإدارة وتخطيط الاقتصاد العام. وتوفير الخدمات العامة مثل البنية التحتية وتخطيط التعليم والرعاية الصحية، وحماية حقوق وحرمات الناس. وتمثيل البلاد على الساحة الدولية، وتنظيم الصناعات والتجارة، وإعادة توزيع الثروة وتطوير منظومات تكافل اجتماعي.

وهي الوظائف التي تُفهم عادةً على أنها تحت إشراف الدولة فقط: ففي مستوى الاتحاد التعاقدي تظهر وظائف التشريع في مجلس الاتحاد التشريعي ومجلس للوزراء الاتحادي يباشر وظائف ووزارات القوة المسلحة والشرطة، والسياسة الخارجية والأمن القومي والاقتصاد الكلي، وهيئات التخطيط القومي في مختلف المجالات.

الثانية: قوة الحكم المحلي (الولايات) كونها الوحدات الأكبر عددا اجتماعياً (مقترحة ٤٥ ولاية محلية) فعلى مستوى الحكم المحلي (الولايات)، فانه تدار سائر أوجه الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية اليومية، بواسطة مجلس تشريعي ولائي، ومجلس حكومة حكم محلي، كحكومة مصغرة معنية بوظائف وادارات الشأن العام المحلي. فالحكم المحلي (الولايات) تصبح هي فضاء الاندماج الاجتماعي الطوعي، عبر مخزونات القيم الثقافية والأخلاقية السائدة وتجددها المستمر.

ووظيفته هي تعزيز الهوية والانتماء المشترك، وتوفير منظومات التكافل الاجتماعي والخدمات المجتمعية، والدفاع عن احتياجات ومصالح السكان المحليين، والمشاركة في النشاطات النشطة والتنظيم المجتمعي، والولاية على التقاليد والقيم الثقافية، وتعبئة الجهود التطوعية والمبادرات الخيرية، ومحاسبة الحكومات المحلية وممارسة النفوذ على السياسات، وخلق مساحات للمشاركة المجتمعية والمشاركة المدنية. فتكون الحكومات المحلية بمثابة مختبر سياسات مركز صناعة الهوية المشتركة، وهي فكرة قريبة من مفهوم: الدولة الشبكية (Networked State) ولكن بصيغة ثقافية محلية.

عندئذ يمكن ان نجيب إيجابا على أزمة الشرعية، عندما نجمع بين ما هو سياسي وما هو حضاري، فعهد الدستور (الميثاق السياسي)، لا يتم النظر اليه كبنية قانونية فقط بل باعتباره تعبيراً ثقافياً. مما يعني إعادة الاعتبار للمجتمع كقائد للسلطة العامة اتحادياً عبر المجلس التشريعي المنتخب ومحلياً (ولائياً) عبر مجالس المحليات (الولايات) التشريعية المنتخبة، مما يحدث نقلة قي الوعي والخبر السياسية من معني الدولة الراعية إلى المجتمع الفاعل والقائد. كما ان النظرة للامركزية، لن تكون نظرة إدارية فقط بل هي رؤية: سياسية، وتشريعية، وثقافية، واقتصادية، وحضارية.

الا انه قد يثار النقد من جهة ان التحول الى مستويين فقط في توزيع السلطة (الاتحاد، الحكم المحلي)، بدلا عن نظام الثلاثة مستويات المعمول به حالياً (اتحادي، ولائي، محلي)، قد يؤدي الى خطر تضخم السلطة المحلية وقوة نفوذ المحليات (الولايات) مما قد يؤدي إلى احياء زعامات جهوية مغلقة، وإعادة إنتاج العصبيات، فان مثل هذه المخاطر المتوقعة مما يمكن حله من خلال قانون الحكم المحلي (الولائي)، في تعيين الحدود القانونية وغير القانونية في الحكم المحلي وكيفية معالجتها بحق الإقالة الفردية او حق حل المؤسسة المحلية برمتها، وإعادة انتخابها من قبل المجتمع المحلي مرة أخرى، وهكذا.

وهكذا تظهر القيمة الفكرية العامة للمشروع المطروح بما يمكن تصنيف المشروع ضمن ما يمكن تسميته: بنظرية الدولة المجتمعية الحضارية، وهي محاولة لبناء طريق ثالث بين: النموذج الغربي للدولة المركزية الغربية التي تعنى اغتراب المجتمع، وبين نموذج الدولة التقليدية التى تعني ضعف المؤسسية، فالمشروع المقترح يعنى بدمج المؤسسية السياسية بالمؤسسة الثقافة والحضارية ونهضتها.

الدكتور محمد المجذوب

Exit mobile version