القائد كيكل ومنهج الحقيقة والمصالحة في أم القرى

القائد كيكل ومنهج الحقيقة والمصالحة في أم القرى
خلال فترة احتلال المليشيا لولاية الجزيرة حدثت تفلتات أثرت بشكل كبير علي وحدة مجتمع الولاية ونتج عنها أحداث مؤسفة بين مكونات المنطقة، ومن ذلك أحداث القرية 32 بأم القرى وهي أحداث راح ضحيتها عدد من مواطني المنطقة بسبب انتشار السلاح وغياب القانون وسيادة الفوضى.

وقد تم فصل المجموعات المتنازعة عن بعضها ورفع الأمر للقضاء بعد التحرير وتمت تهدئة النفوس حتى أطلق القائد أبو عاقلة محمد أحمد كيكل قائد قوات درع السودان برنامجا للتسامح الاجتماعي والمصالحة الشعبية بدأ قبل شهر رمضان المعظم واستمر في هذا الشهر الكريم ليثمر صلحا رمم العلاقات بين الجانبين المتنازعين وحسم المشكلة من جذورها.
هذا النهج الذي تبناه القائد كيكل في معالجة آثار النزاع بمنطقة أم القرى يستدعي إلى الأذهان واحدة من أهم التجارب الرائدة في مجال العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وهي تجربة رواندا بعد الحرب الاهلية التي شهدتها عام 1994، فبعد أن اهتزت البلاد بسبب أحداث دامية راح ضحيتها مئات الآلاف ، أدرك الروانديون أن العدالة وحدها لا تكفي لرأب الصدع ولم شمل المجتمع، فكانت (لجان الحقيقة والمصالحة) والتي اعتمدت على مبدأ مواجهة الحقائق بشجاعة ، والاعتراف بالأخطاء، والاعتذار ، ثم الانطلاق نحو مستقبل مشترك، فلم تكن تجربة الانتقال من حالة الحرب الي حالة السلم طريقا إلى الانتقام أو الإقصاء ، بل إلى كشف الحقيقة كأساس للتسامح ، وإشراك المجتمع المحلي في عملية التصالح، وهذا بالضبط ما حدث في أم القرى بولاية الجزيرة ، حيث لم يكتفي القائد كيكل بفصل المتنازعين أو انتظار أحكام القضاء فقط ، بل ذهب أبعد من ذلك ليؤسس لثقافة التسامح التي تسبق القانون وتكمله ، فكان الصلح الرمضاني تتويجاً لرؤية حكيمة تدرك أن تماسك النسيج الاجتماعي هو خط الدفاع الأول …

إن المبادرات المجتمعية الشبيهة ببرنامج المصالحة الذي يقوده القائد أبو عاقلة كيكل تحمل فوائد كبيرة تتجاوز حدود النزاع الواحد ومنها استباق الفتن حيث تعمل هذه المبادرات على نزع فتيل الأزمات من جذورها قبل أن تتحول إلى ثأرات ممتدة أو أحقاد متراكمة تعيق تقدم المجتمعات لسنوات، كذلك من فوائدها ترميم النسيج الاجتماعي فهي تعيد بناء الجسور المقطوعة بين أبناء المجتمع الواحد، وتؤكد أن المواطنة والأخوة الإنسانية هي الرابطة الأقوى التي لا ينبغي أن تنكسر مهما بلغت التحديات، لتتحول المجتمعات المتلقية للأحكام إلى مجتمعات فاعلة في صنع السلام ، ما يعزز شعور الجميع بالمسؤولية الجماعية عن استقرار المنطقة، وهذه المبادرة التي أطلقها القائد كيكل تعزز مسار العدالة فهي لا تلغي دور القضاء، بل تخلق مناخا من الطمأنينة يسمح للقانون بأن يأخذ مجراه في جو من الهدوء والقبول الشعبي ، بعيدا عن أجواء التوتر والرغبة في الثأر،

كذلك فإن ما يميز رؤية القائد كيكل في هذا الملف هي النظرة الشمولية والاستباقية، حيث لا تتوقف جهوده عند احتواء أزمة بعينها، بل تمضي لتشمل كل الأطراف التي قد تكون هناك جذوات تحت الرماد بينها، وإعلان استمرارية هذا البرنامج هو تأكيد على أن السلام خيار استراتيجي لا يحتمل التجزئة، وكما تم لم الشمل في أم القرى ، فإن نوافذ المصالحة ستظل مفتوحة أمام كل المكونات التي تأثرت بفعل الاحتلال وتداعياته، وهذه الجهود تمثل ترجمة عملية لمبدأ ان الغاية الكبرى هي بناء سودان جديد تتسع مظلته للجميع ، يتجاوز جراح الماضي بعزيمة الحاضر وأمل المستقبل..

وبرنامج الحقيقة والمصالحة الذي يقوده القائد كيكل في ولاية الجزيرة، واستلهامه العملي لتجارب دول سبقتنا في هذا المضمار، يبشر بولادة نموذج سوداني واعد في حل النزاعات، نموذج يجمع بين حكمة القيادة ورغبة المجتمعات في الحياة بسلام ، وهو ما سيبقى -بإذن الله- درعا حاميا لوحدة السودان وأمنه الاجتماعي..
#قوات_درع_السودان

يوسف عمارة أبوسن

Exit mobile version