الحصن المقدس

من أحاجي الحرب ( ٢٨٤٨٢ ):
○ أ. محمد مصطفي
الحصن المقدس
​تعدّ الأعراض في الوجدان السوداني هي “الحصن المقدس” التي دونها تُسفك الدماء وتُرخص الأرواح، وعندما تشرع أبواق المليشيات ومنسوبوها في توجيه آلة القذف والتشهير ضد فتيات ونساء مناطق معينة، وتحديداً في وسط وشمال السودان، زاعمين كذباً وبهتاناً سعي النساء خلفهم، فإننا لا نتحدث هنا عن مجرد “سقط قول” أو مهاترات حرب عابرة، بل نتحدث عن “جريمة إبادة اجتماعية” متعمدة تهدف إلى تقويض الأعمدة الهيكلية التي يقوم عليها المجتمع السوداني.
إن هذا الخطاب المسموم الذي يطعن في شرف العفيفات ليس مجرد وسيلة لإذلال الخصم السياسي أو العسكري، بل هو استراتيجية ممنهجة لكسر الكبرياء الوطني، فالمعتدي يدرك تماماً أن جرح الكرامة أعمق من جرح الرصاص، وأن محاولة وصم حرائر السودان بالتهافت هي محاولة بائسة لقلب الحقائق وتبرير الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
​إن الأثر التدميري لهذا النوع من الخطاب على النسيج الاجتماعي يفوق الخيال فهو يزرع الأحقاد بين المكونات القبلية والجهوية لجيل كامل، ويحول الصراع من نزاع حول السلطة إلى ثارات اجتماعية يصعب غسلها بمرور الزمن عندما يتم استهداف شرف المرأة السودانية، فإن الرسالة المبطنة هي “الاستباحة الشاملة”، وهو تكتيك لا ينتهجه إلا من فقد الرابطة الوطنية والأخلاقية، إذ يصبح المجتمع في حالة من الاستنفار الدفاعي الذي يغذي الكراهية المضادة، مما يجعل فكرة التعايش مستقبلاً ضرباً من المحال في ظل استمرار هذا القذف الممنهج.
​التاريخ القريب والبعيد يخبرنا أن “سلاح العار” والطعن في الأعراض كان دائماً المقدمة والنتيجة للتمزق الانهياري للدول. في حرب البوسنة والهرسك (1992-1995)، لم تكتفِ المليشيات الصربية بالقتل، بل استخدمت الاغتصاب والتشهير بالنساء البوسنيات كأداة للتطهير العرقي وكسر إرادة الرجال، مما ترك جرحاً في قلب أوروبا لم يندمل حتى اليوم.
وفي حرب رواندا (1994)، استخدمت إذاعة “التلال الألف” خطاباً مشابهاً يحرض على نساء “التوتسي” ويطعن في أخلاقهن، مما مهّد الطريق لواحدة من أبشع المجازر البشرية في التاريخ الحديث، حيث تحول الجار إلى قاتل لجاره بناءً على قصص مختلقة تمس الشرف.
​إن ما تفعله هذه المليشيات اليوم في السودان هو استنساخ لتلك التجارب المظلمة، ومحاولة بائسة لتغطية الجرائم الجسيمة التي تُرتكب ضد الإنسانية بستر زائف من الادعاءات الكاذبة حول رغبة الضحايا في الجناة. إن شرف المرأة السودانية في الشمال والوسط والغرب والشرق هو كلٌّ لا يتجزأ، ومحاولة استهدافه جهوياً هي دعوة صريحة لتفكيك الدولة السودانية من جذورها الأخلاقية يجب أن يدرك هؤلاء أن الذاكرة الجمعية للشعوب لا تغفر لمن اتخذ من أعراض النساء ميداناً لمعاركه الفاشلة، وأن هذه الكلمات التي تخرج من أفواه المرتزقة والمليشيات ليست سوى مسمار أخير في نعش مشروعهم الذي يلفظ أنفاسه أمام صمود وتماسك الأسر السودانية التي تضع الشرف فوق كل اعتبار.
محمد مصطفى
#من_أحاجي_الحرب

Exit mobile version