رأي ومقالات

إطار خلدوني لإعادة إعمار اقتصاد سودان ما بعد الحرب

إطار خلدوني لإعادة إعمار اقتصاد سودان ما بعد الحرب:
من أبرز سمات الممارسات الاقتصادية السابقة -وأقصد هنا التمييز بينها وبين السياسات- التدخل الحكومي المفرط والاستغلالي في جميع الأنشطة الإنتاجية، بدءًا من أصغر كشك على جانب الطريق الى الدارداقة وست الشاي وصولًا إلى أكبر الشركات الحديثة. واتخذ هذا التدخل في المقام الأول شكل ضرائب ورسوم باهظة، إلى جانب ضوابط بيروقراطية تطلبت تراخيص مكلفة حتى لأبسط المشاريع الاقتصادية مما أتاح مساحة للفساد وإستغلال المنصب.
وكانت نتيجة هذا التدخل القمعي خنقًا ممنهجًا للحياة الاقتصادية. فبمعاقبة المنتجين وإثقال كاهلهم بتكاليف الامتثال، دفعت هذه الإجراءات المنتجين إلى الخروج من الأنشطة الإنتاجية الرسمية والإيجابية. ودفع ذلك الكثيرين إلى البطالة، بينما أجبر آخرين على الانخراط في السوق السوداء غير الرسمية. وساهم هذا النزوح بشكل مباشر في انخفاض الإنتاج والدخل والتوظيف، وفي نهاية المطاف، الإيرادات الضريبية. فعندما تفرض الحكومات معدلات ضرائب مرتفعة للغاية، ينسحب المنتجون من الاقتصاد الرسمي، وتنتهي الدولة بتحصيل إيرادات أقل، لا أكثر. وقد عبّر عن هذه الرؤية الخالدة منذ قرون العالم الجليل ابن خلدون.

الآن، وفي أعقاب هذه الحرب المدمرة التي قلبت السودان القديم وإطاره الاقتصادي رأسًا على عقب، تُتاح للحكومة فرصة تاريخية لبداية جديدة تتجاوز أخطاء الماضي لتسريع التعافي وإعادة الإعمار. يجب أن تهدف السياسات الاقتصادية الجديدة إلى تشجيع المنتجين وتمكينهم، لا معاقبتهم بضرائب ورسوم باهظة وبيروقراطية معقدة.

يجب دراسة معدلات الضرائب بعناية وتحديدها عند مستويات مثالية، مصممة لتقليل الآثار السلبية على حوافز المنتجين مع ضمان تمويل الخدمات العامة. كما ينبغي أن تكون معدلات الضرائب مُثلى ومدروسة جيدًا، وأن تُصمم بطريقة تُقلل من تأثيرها السلبي على حوافز المُنتجين. ولا داع لان يكون للحكومة قرش من كل نشاط إقتصادي فأحيانا ترك العباد يعيلون أنفسهم محمدة ومكسب قومي حتي لو لم تقضم الحكومة معهم قرمة أو حتي لو صرفت عليهم لمساعدتهم في كفالة أهلهم وإحياء مجتمعاتهم. حتي لا تصير الحكومة مثل إمرأة دخلت نار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا تركتها تقتات من خشاش الأرض.

وينبغي أن تكون الضوابط البيروقراطية والضوابط المتعلقة بالترخيص بسيطة ومحدودة وغير مكلفة، وأن تبقى عند أدنى مستوى لحماية المصالح العامة. كل هذا ضروري لإرساء دعائم اقتصاد حيوي وشامل ومرن يسرع من وطائر النهوض والتعافى.

معتصم اقرع