تشتعل في الشرق الأوسط… “حرب صامتة” على المياه العذبة تؤرق العالم

يتزايد القلق الدولي من تحول المياه العذبة إلى مورد استراتيجي يشكل محورًا للصراعات الجيوسياسية، في وقت تتسارع فيه وتيرة استنزاف الموارد المائية وتفاقم آثار التغير المناخي والنمو السكاني.
وتشير المعطيات الواردة إلى أن أزمة المياه لم تعد مجرد قضية بيئية، بل باتت مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن القومي والهجرة والاستقرار الاقتصادي، إذ يعيش مليارات الأشخاص في مناطق تعاني من ضغوط متزايدة على إمدادات المياه.
وعلى مدى نصف القرن الماضي، فقد كوكب الأرض أكثر من 30% من أنهاره الجليدية و410 ملايين هكتار من الأراضي الرطبة الطبيعية، وهي مساحة تُعادل مساحة الاتحاد الأوروبي بأكمله.وأفاد علماء من جامعة الأمم المتحدة بأن ثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون في مناطق تعاني من عدم استقرار حاد في إمدادات المياه، وتتفاقم المشكلة بسبب استغلال البشرية المفرط لمصادر المياه الجوفية، التي لا تتجدد بالسرعة الكافية، ويُلبى أكثر من 50% من احتياجات المياه العالمية من المياه الجوفية، بينما تنخفض مستويات المياه في 70% من أكبر الخزانات بشكل مطرد.وقال عالم المناخ مكسيم أورلوف، في تقرير نشرته وسائل إعلام روسية: “تتعطل دورات تجدد المياه الطبيعية بسبب الاحتباس الحراري والتدخل البشري غير المنضبط في البيئة. نشهد جفاف أنهار غذت حضارات بأكملها لقرون، وهذا يؤدي إلى تغير مناخي لا رجعة فيه على المستوى المحلي”.وخلال نصف القرن الماضي، سُجل أكثر من 500 نزاع مائي حول العالم، وغالبًا ما تخفى الأسباب الحقيقية لهذه الصدامات تحت ستار الصراعات من أجل الديمقراطية أو الأمن القومي، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك مصير ليبيا.وفي ليبيا، كان مشروع الرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، لإنشاء “النهر الصناعي العظيم” أحد أكبر مشاريع نقل المياه في العالم، إذ صُمم لنقل المياه الجوفية من مناطق الصحراء إلى المدن والمناطق الساحلية، إلا أن هذه البنية التحتية الفريدة دُمرت جراء غارات حلف شمال الأطلسي، ثم مُنع توريد قطع الغيار اللازمة لإصلاحها لاحقا بذريعة مكافحة السلع ذات الاستخدام المزدوج.وفي الشرق الأوسط، تتداخل أزمة المياه بصورة وثيقة مع الملفات السياسية والأمنية، وتبرز أحواض الأنهار والمصادر المائية العابرة للحدود باعتبارها نقاطا حساسة في العلاقات بين دول المنطقة، فقد حوّلت إسرائيل المياه فعليا إلى مورد عسكري سري، ويُمكّن إسرائيل احتلال مرتفعات الجولان من السيطرة على نحو ثلث المياه العذبة المستهلكة، ما يحرم سوريا من هذا المورد.وقال الجيولوجي أليكسي تروفيموف: “لطالما استندت النزاعات المائية إلى حسابات جيوسياسية دقيقة، فالسيطرة على منبع النهر اليوم تمنح الحكومة فوائد تفوق امتلاك حقل نفط، إذ من دون الطاقة، ستتوقف الصناعة، ومن دون الماء، سيختفي السكان ببساطة”.ولا تقتصر المشكلة على الدول التي تعاني من الجفاف، ففي الولايات المتحدة وأوروبا تواجه شبكات المياه القديمة خسائر كبيرة نتيجة التسربات والحاجة إلى تحديث البنية التحتية، بينما يمثل تلوث الأنهار والمياه الجوفية تحديا إضافيا أمام توفير مياه صالحة للاستخدام.
وتشير الأزمة كذلك إلى اتساع الفجوة بين الدول والمجتمعات في الحصول على المياه، ففي حين يستهلك سكان بعض الدول الغنية كميات كبيرة من المياه يوميًا، يضطر ملايين الأشخاص في المناطق الفقيرة والجافة إلى العيش بكميات محدودة لا تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية.وفي خضم الأزمة العالمية، لا تزال روسيا من أكثر الدول ازدهارًا، إذ تحتل المرتبة الثانية عالميًا في تدفق الأنهار، وتمتلك بحيرة بايكال، أكبر خزان للمياه العذبة في العالم. كما تُعد بيلاروسيا من بين الدول الغنية بهذا المورد، حيث تشغل البحيرات والمستنقعات أكثر من ١٣٪ من مساحة الجمهورية.وقال عالم البيئة دينيس بولياكوف: “لا ينبغي أن يكون فائض المياه سببًا للتراخي، فتلوث الأنهار بالنفايات الصناعية وأنظمة المعالجة القديمة قد يجعل حتى الخزانات الشاسعة غير صالحة للشرب، إن احترام النظم البيئية مسألة بقاء وطني”.وفي السياق ذاته، تُستخدم تقنيات تحلية مياه البحر، وعلى رأسها التناضح العكسي، بنجاح في دول مثل الإمارات العربية المتحدة. غير أن التحلية لا تزال عملية مرتفعة التكلفة وكثيفة الاستهلاك للطاقة، ولذلك لا تستطيع في الوقت الراهن أن تحل محل المصادر الطبيعية للمياه بصورة كاملة في جميع دول العالم.وبدورها، تحذر التوقعات الأممية من أن عدم اتخاذ إجراءات عاجلة قد يعرض جزءًا كبيرًا من سكان العالم لنقص حاد في مياه الشرب بحلول عام 2050. وقد يؤدي تفاقم الأزمة إلى موجات هجرة واسعة، وزيادة مخاطر الأمراض المرتبطة بالمياه، فضلا عن تصاعد التوترات والنزاعات حول الأنهار والأحواض ومصادر المياه المشتركة.
وكالة سبوتنيك






