مصر تدافع عن السعودية بالردع الحاسم وشجاعة الدبلوماسية

تقف مصر أمام معادلة دقيقة تجمع بين دعم أمن المملكة العربية السعودية، والحفاظ على استقرار المنطقة، والتمسك بحل سياسى يحفظ وحدة اليمن ومؤسساته، فكلما اتسعت دائرة النار فى اليمن، ازدادت صعوبة الإجابة عن السؤال الأهم، كيف يمكن وقف التصعيد قبل أن تتحول المواجهة إلى صراع إقليمى مفتوح. وما الذى يمكن أن تفعله السياسة بعدما تعثرت محاولات التهدئة؟
فى الوقت الذى تتجه فيه الأنظار إلى تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسى حول استعداد مصر لاتخاذ ما يلزم لدعم أمن السعودية إذا طُلب منها ذلك، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية عن احتمالات التحرك العسكرى وهو هل تستطيع القاهرة توظيف علاقاتها الإقليمية وموقفها الداعم لوحدة اليمن فى الدفع نحو تسوية سياسية تنهى الحرب؟ إذ تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع دعوة الأزهر الشريف إلى تشكيل لجنة وساطة عاجلة من حكماء الأمة لاحتواء الصراعات العربية، فى تحرك يطرح الحوار والتهدئة باعتبارهما ضرورة لحماية الشعوب من اتساع دائرة المواجهة.
طريق التسوية
لم تكن تصريحات الرئيس السيسى، حول السعودية منفصلة عن موقف مصر المعلن من الأزمة اليمنية، فقد أكد الرئيس استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن المملكة إذا طلبت ذلك، مشددًا على أن القاهرة لا تسعى إلى الاعتداء على أحد، لكنها لن تقبل المساس بأمن السعودية واستقرارها، وجاء ذلك فى ظل تصاعد التوترات، مع طلب عقد جلسة طارئة لمجلس النواب للنظر فى منح التفويض اللازم للتحرك إذا اقتضت الظروف.
لكن دلالة الموقف المصرى لا تتوقف عند رسالة الردع، إذ أن حماية أمن السعودية والملاحة فى البحر الأحمر ترتبط أيضًا بمنع اتساع الحرب، وتهيئة الظروف أمام تسوية سياسية شاملة، ومن هنا، تبدو أهمية الجمع بين الاستعداد لحماية الأمن القومى العربى، والإبقاء على المسارات الدبلوماسية مفتوحة، حتى لا تصبح المواجهة العسكرية بديلًا دائمًا عن الحل السياسى.
وفى السياق نفسه، دعا الأزهر الشريف، إلى تشكيل لجنة وساطة وتهدئة عاجلة تضم ممثلين عن الدول العربية والإسلامية من الحكماء والعقلاء، تتولى التحرك لنزع فتيل الأزمات، وتقريب وجهات النظر، وإنهاء الخلافات، حيث أكد شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، استعداد المؤسسة لدعم جهود اللجنة، فى دعوة تستند إلى تغليب الحوار ووقف القتال وصون أرواح الأبرياء ومقدرات الشعوب.
رهانات القاهرة
تتمسك مصر بموقف يقوم على دعم وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، وقد أكد الرئيس السيسى هذا التوجه خلال اتصاله برئيس مجلس القيادة الرئاسى اليمنى رشاد العليمى، حين شدد على مواصلة دعم اليمن، والحفاظ على مؤسساته الوطنية، ومساندة الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار والتوصل إلى تسوية سياسية تلبى تطلعات الشعب اليمنى، كما أكد الجانبان أهمية استمرار التنسيق والتشاور بشأن القضايا الإقليمية.
يرى أحمد العنانى الباحث فى العلاقات الدولية، أن التصعيد العسكرى ستكون له تكلفة باهظة على جميع دول المنطقة، محذرًا من أن الاعتماد على الحل العسكرى قد يدفع المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة، فمصر تفضل طرح الحلول السياسية والدبلوماسية، وأن أى دعم عسكرى قد تقدمه للمملكة العربية السعودية سيكون ذا طبيعة دفاعية، فى إطار حماية أمنها وصد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، دون استهداف اليمن أو أطراف داخله.
وأضاف: أن الموقف المصرى يبعث برسالة واضحة إلى الأطراف الإقليمية، وفى مقدمتها إيران والحوثيون، مفادها أن دعم أمن السعودية لا يعنى بالضرورة الانخراط فى مواجهة عسكرية مفتوحة داخل اليمن، فالمسار السياسى يظل الخيار الأفضل للتعامل مع الأزمة، مشيرا إلى أن تعقيدات الملف اليمنى تتطلب تفاهمات بين الأطراف الإقليمية المؤثرة، إلى جانب ضغوط متبادلة على حلفائها داخل اليمن، فالقاهرة تمتلك علاقات مع كل من السعودية وإيران، بما قد يتيح لها الإسهام فى تقريب وجهات النظر ودعم جهود التسوية، ناهيك عن أهمية التواصل مع الإمارات العربية المتحدة، بالنظر إلى دورها فى العلاقة مع المجلس الانتقالى الجنوبى.
واقترح أن تعمل مصر، بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية، على تقريب وجهات النظر وإعداد مسودة اتفاق جديدة تتضمن التزامات واضحة وضمانات تحول دون تجدد الهجمات على السعودية أو فرض حصار عليها، مشددا على أهمية مشاركة إيران فى أى ترتيبات من هذا النوع، باعتبارها طرفًا إقليميًا قادرًا على التأثير فى الحوثيين والضغط عليهم للالتزام بالاتفاقات.
وأكد أن التسوية ينبغى أن تتضمن صيغة للتفاهم بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والحوثيين، بما يسمح بمعالجة الخلافات السياسية وضمان أمن الخليج، مع وضع آليات واضحة لمراقبة تنفيذ الالتزامات ومنع الإخلال بها، مؤكدا أن التحرك المصرى بالتعاون مع القوى الإقليمية المعنية قد يفتح المجال أمام تسوية سياسية تحد من مخاطر الحرب وتحول دون اتساعها إلى صراع إقليمى يصعب احتواء تداعياته.
سلام متعثر
فيما يتعلق بإمكانية استعادة المفاوضات، يقدم الخبير السعودى على العقبى قراءة أكثر تشددًا تجاه فرص التسوية، إذ يرى أن المبادرات السابقة لم تنجح فى إنهاء الأزمة، ويحمل الحوثيين مسئولية إفشالها.
وقال العقبى فى تعليقه لمجلة روزاليوسف، إن الحوثيين لا يحتاجون إلى مزيد من المبادرات بقدر ما يحتاجون إلى مواجهة شاملة، فقد قضت ميليشيا الحوثى على فرص السلام بعد أن انقلبت على المبادرات والاتفاقات والهدن المتعاقبة منذ أكثر من عقد، واختارت التصعيد العسكرى على الحلول السياسية، واليوم تتجه التطورات نحو مرحلة أكثر حسمًا فى مواجهة التهديد الذى تمثله الميليشيا مع انطلاق عملية فجر اليمن، وتأكيد القيادة اليمنية أن السلام الحقيقى يبدأ بإنهاء الانقلاب ومعالجة أسباب الحرب، لا بمكافأة الطرف الذى أشعلها.
وأكد، أن الميليشيا تستخدم التصعيد العسكرى والتهديدات البحرية لتحويل مضيق باب المندب إلى ورقة ضغط إقليمية شبيهة بمضيق هرمز، بما يعزز قدرتهم على المناورة فى أى مفاوضات مقبلة، مشيرا إلى أن الحوثيين هم من أجهضوا فرص السلام منذ الحروب الأولى فى مطلع الألفية، مرورًا بالانقلاب على الدولة واجتياح صنعاء عام 2014، إلى الاتفاقات والهدن اللاحقة، فقد تكررت فرص التسوية لإنهاء الحرب، لكنهم واصلوا الانقلاب على التفاهمات والتنصل من الالتزامات، ويتعاملون مع الاتفاقات محطات مؤقتة ثم يعودون إلى التصعيد، ثم جاءت مفاوضات الكويت عام 2016، لكنها لم تنجح فى إنهاء الحرب بسبب إفشالها من الحوثى، وفى عام 2018، جاءت مشاورات السويد تحت ضغط دولى، وقدمت الحكومة اليمنية تنازلات لفتح الطريق أمام السلام، لكن الاتفاقات واجهت تعثرًا مستمرًا ولم تنجح فى استعادة مؤسسات الدولة، وفى أبريل 2022، جاءت الهدنة الأممية لتمنح اليمنيين فرصة جديدة، ولكن فشل أربعة مبعوثين للأمم المتحدة فى الملف اليمنى بسبب تعقيدات الحوثيين لكل الجهود، ومن أواخر 2023، عاد الحوثى للتصعيد فى البحر الأحمر واستهداف السفن التجارية تحت ذريعة مساندة غزة، وأجهض فرصة مهمة لتسوية سياسية بمبادرة المملكة.
وذكر، أن المرحلة الراهنة تحتاج موقفا عربيا أكثر فاعلية فى دعم الشعب اليمنى لاستعادة دولته وبسط سلطتها على كامل أراضيها وإنهاء الانقلاب الذى أدخل البلاد فى دوامة من الحرب والمعاناة، مستطردا: «نحن لا نريد الحرب ولسنا دعاة حروب، بل نريد سلامًا حقيقيًا ينهى أسباب الحرب ويضع حدًا لمعاناة اليمنيين، ويعيد القرار العسكرى والأمنى إلى مؤسسات الدولة».
رسالة ردع
فيما يتعلق بدور مصر فى دعم أمن المنطقة وإمكانية إسهامها فى احتواء الأزمة اليمنية، أشاد الخبير العسكرى والاستراتيجى السعودى محمد صالح الحربى فى تصريحات لـ«روز اليوسف»، بطبيعة العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة والرياض، معتبرًا أن الموقف المصرى يتجاوز الاعتبارات العسكرية والأمنية إلى أبعاد سياسية تعكس عمق الشراكة بين البلدين، وتأتى هذه الرؤية فى وقت تبرز فيه أهمية التنسيق المصرى السعودى فى حماية الأمن العربى، ودعم استقرار اليمن، والحيلولة دون اتساع نطاق التصعيد الإقليمى.
وقال الحربى لـ«روزاليوسف»:«إن الموقف المصرى هو موقف سياسى يتجاوز البعدين العسكرى والأمنى، وكما أوضح الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى فى خطابه بصورة واضحة وصريحة، فإن مصر قد تتدخل إذا اقتضت الضرورة ذلك أو طلبت المملكة العربية السعودية تدخلها».
واختتم الحربى حديثه بالتأكيد على عمق الروابط الاستراتيجية بين مصر والسعودية، معتبرًا أن استعداد القاهرة للتحرك، إذا طلبت الرياض ذلك وواجهت خطرًا داهمًا، يعكس مستوى التنسيق بين البلدين وأهمية التعاون فى مواجهة التحديات التى تهدد أمن المنطقة واستقرارها.
خلود عدنان – بوابة روز اليوسف






