جعفر عباس

مهن ومحن (61)


[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] مهن ومحن (61) [/B][/CENTER]

في السودان مثل شعبي مؤداه أن الجزار، وحتى عندما يقرر حمل قطع من اللحم إلى بيته، يخفي بينها قطعا غير مرغوب فيها، أي أن الجزار لا يعطي الزبون قطعة اللحم التي يرغب فيها تحديدا بل يعطيه القطعة، ولكنه يطفف الميزان بإضافة قطعة أو كتلة يعرف أن زبونه لا يرغب فيها، ولن يطبخها عندما يصل إلى البيت، وبعبارة أخرى فإن الشائع بين الناس في السودان وغيره من البلدان أن الجزار يمارس الغش فيضع لك في الميزان أجزاء من جسم البهيمة تعافها النفس، وأذكر أنني كنت مقيما في ذات إجازة في شقة في عاصمة عربية، وقررت شراء «كبدة وكلاوي»، ونزلت إلى محل جزار في أسفل البناية فوضع على الميزان كبد خروف وكليتين ثم خصية!! أي والله العظيم.. قلت له: ما علاقة الخصية بما طلبته؟ قال ما معناه إن نظام بيع اللحوم عنده «كدا»، ولست من الغباء بحيث أدخل في ملاسنة مع جزار، ومن ثم دفعت له القيمة التي طلبها ثم أعدت له الخصية ليبتلي بها شخصا آخر غيري.
وبعد أن صرت زبونا لدى جزار معين، أحدد له ما أريد من صنوف اللحم، وكلما حشر بينها قطعة غير صالحة للاستخدام الآدمي صحت فيه: قفشتك.. شيل البتاع دا خليه معك، وجدت في نفسي الشجاعة لسؤاله عن ميل الجزارين للغش بجعل وزن اللحم المباع أكثر ثقلا بإضافة أعضاء من جسم الحيوان المذبوح لا يرغب فيها الزبون، فقال لي ما معناه: هناك صنف من الجزارين يشتري البهيمة الحية ويدفع ثمنها بالكامل، ولو كان الخروف مثلا من النوع المبغبغ الممتلئ عافية ولحما وشحما فإن بائعه يطلب فيه سعرا عاليا، ولا يستطيع الجزار أن يقول له إن نحو واحد على عشرة من وزن الخروف جلد ورأس وأظلاف وفضلات تملأ كرشه، وهناك الجزار الذي يشتري البهيمة مذبوحة، ولكنه يشتريها بكل ما فيها ما عدا الجلد، وبالتالي فإنه يكون قد دفع قيمة الأجزاء التي يقول بعض الزبائن إنهم غير راغبين فيها كليا، ولا سبيل أمام الجزار لاسترداد النقود التي اشترى بها الخروف حيا أو مذبوحا إلا ببيع كل أجزائه القابلة للطبخ حتى وإن كان معظم الناس يعافون بعض تلك الأجزاء، ومن ثم يحشر مثل تلك الأجزاء في كوم/ أكوام اللحم المباع
وبالتالي ليس من الإنصاف اتهام الجزارين بممارسة الغش، لأنهم إنما يبيعون لك شيئا اشتروه بنقودهم وواجبهم استرداد تلك النقود ومعها بعض الربح، ولو استذكرت الجزارين الذين تعاملت معهم على مدى سنوات لانتبهت إلى أن مهنة الجزارة لم تعد تقود إلى الثراء، يعني لن تجد شخصا يمارس تقطيع اللحم وتكسير العظام وتنظيف الكرش والمصارين (هذه الأجزاء مهمة عند السودانيين والأتراك) موسرا/ غنيا بأي درجة، فأفضل الجزارين حالا يعيش «مستورا» أي يا دوب يكسب ما يعيل به نفسه وأهله، ففي يومنا الراهن صار الجزارون مهما بلغت درجة احترافهم ومهاراتهم رهائن لدى تجار اللحوم، وهذه الفئة لا تعرف الفرق المصران واللسان، ولكنها وبما لديها من رأس مال، تشتري اللحوم بالجملة أو تربي البهائم وتذبحها ثم تبيعها للجزارين محددة سعر البيع «بكيفها»، بل صارت تحتكر حتى منافذ بيع اللحوم وتستخدم الجزارين المحترفين كأجراء، وتلزمهم ببيع «الحمل بما حمل»!!
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]

تعليقات فيسبوك


تعليق واحد

  1. ( وهذه الفئة لا تعرف الفرق المصران واللسان ) أعتقد وأظن ( وبعض الاعتقاد والظن أثم ) ان هذه الجمله ( ناقصه ) كلمة ( بين ) لتصبح : وهذه الفئه لا تعرف الفرق بين المصران واللسان , والله اعلم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *