دعوني أبدأ بنقاط القوَّة في الاتفاق فأقول إن الجنوب يتضوَّر جوعاً بشهادة أصدقائه الخواجات التابعين للمنظمات الأجنبيَّة وبعثات الأمم المتَّحدة وذلك ما جعله يتهافت في سبيل إنفاذ اتفاق النفط ويركض في طلبه كالمجنون ومن شأن أي تنصُّل من الاتفاق بعد تنفيذه وبعد أن يبدأ تصدير البترول أن يوقف شريان الحياة عن معدة الجنوب الخاوية ولذلك يُفترض أن تحرص حكومة الجنوب على عدم تعكير الأجواء وعلي إقامة علاقة طيبة مع السُّودان لا تشوبها أيَّةُ شائبة من توتُّرات متعلِّقة بالعلاقة الإستراتيجيَّة بين الحركة الشعبيَّة وبين عملائها في قطاع الشمال أو بالحركات الدارفوريَّة المتمردة المتحالفة مع دولة جنوب السودان ضد دولتها الأم (السُّودان).
هذا بالطبع يعتمد اعتماداً كلياً على صيغة الاتفاق وما إذا كان هناك نص يقضي بوقف تصدير البترول متى ما تبيَّن أنَّ حكومة الجنوب تواصل دعمها لعملائها في السودان.
أقول للسيد الصادق المهدي الذي ظل يتَّخذ موقفاً محايداً بين السودان ودولة جنوب السودان والذي بعد أن رحَّب بالاتفاق ونثر نصائحه للطرفين (حكومتي السودان وجنوب السودان) بضرورة التنفيذ الفوري للاتفاقيات حذَّر من الاستماع لما سمَّاه (صيحات حزبي الحرب في الخرطوم وجوبا)!!
قبل أن أعلِّق أقول للإمام مقسماً بالله إننا دعاة سلام ومبغضون للحرب التي ذقنا مرارتها وتجرّعنا ويلاتها وأقول كذلك إنَّ هذه ليست أول مرة يهاجمنا فيها السيد الصادق الذي نعلم أنه يعنينا بهذه العبارة (حزب الحرب) وقد رددنا عليه في السابق وذكَّرناه وغيره بأن من تُحتل أرضُه ينبغي أن يسعى إلى تحريرها والتحريض على ذلك فقوله هذا يُشبه قول من يصفون حركة حماس وهي تسعى لتحرير وطنها بالمنظَّمة الإرهابيَّة بينما يحمُون (إسرائيل) المحتلة من مجرَّد الهجوم عليها ويُصدرون القرارات الأمميَّة لتجريم ذلك الفعل وقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيَّه بأن يحرِّض المؤمنين على القتال لا على الاستسلام حين يقع العدوان على الأمَّة وتُحتل الأرض!!
أكثر ما يُدهشني أن السيِّد الصادق المهدي يضع نفسه في موقف الحياد بين السُّودان وجنوب السُّودان بينما أرضُه مُحتلة وجيشُه الذي كان وزيراً له (وزير الدفاع) قبل الإنقاذ يقاتل دون ترابه الوطني!!
إننا والله لن نحايد في أي موقف بين السودان وبين أية دولة أخرى معتدية وهذا هو الفرق بيننا وبينك أيها الإمام (فمسك العصا من النص) ليس من شِيم القادة والزعماء وذلك ما دعانا ودعاكم لتجريم الاتفاق مع الجبهة الثوريَّة تحت ميثاق الفجر الجديد وإنني والله أرى أن السُّودان لن يتعافى ولن تقوم له قائمة ما لم يتوافق أهلُه وقياداتُه دستورياً على خطوط حمراء تحدِّد الحلال الوطني والحرام الوطني فكفانا إباحيَّة سياسيَّة جعلتنا في ذيل العالم وجعلت متمرِّدي اليوم حكام الغد والقَتَلَة وسفّاكي الدماء يُحملون على الأعناق!!
اضطررتُ لهذه الجملة الاعتراضيَّة التي قصدتُ بها أن أقول إن حال السُّودان لن ينصلح ما لم تنصلح أحزابُه فهي الأوعية التي تستقطب الولاء الوطني ومن غير المعقول أن نُسيِّد علينا أحزاباً لا تجمع الناس على مبادئ ومرجعيَّات ولا تنعقد لها مؤتمرات ولا يُعرف ناطقُها الرسمي ولا قرارُها السياسي.. أحزاب تجد جزءاً منها في الحكومة وجزءاً آخر من نفس الحزب في المعارضة!!.. أحزاب تتعامل مع العدو المتربِّص وتفرض نفسها لتنال ثقة الجماهير!!
آسف لهذا الاستطراد وأقول إن من أوجب واجبات الحكومة الآن بعد أن وقَّعت للمرة (المليون) مع الجنوب ألّا تنسى وقد لُدغت من ذات الجحر مرات ومرات أنَّ فكّ الارتباط مع عملاء الجنوب لا يعبِّر البتَّة عن موقف إستراتيجي للجنوب إنما هو موقف تكتيكي بل إن الإستراتيجي هو (تحرير السودان) من خلال قطاع الشمال وغيره بما في ذلك بعض الاتفاقيات التي أُبرمت في وقت سابق مثل اتفاقية الحريَّات الأربع التي أُقسم بالله إنها ستُستغل لزرع خلايا نائمة كثيرٌ منها موجود بالفعل ويربض في انتظار لحظة الصفر وإلا فخبِّروني بربِّكم عن لماذا يرفض قطاع الشمال الاعتراف بانفصال الجنوب ويسمِّي نفسَه بهذا الاسم الذي أُطلق قبل الانفصال فعرمان وبقية العملاء الذين يقاتلون وطنهم بالنيابة عن الجنوب ظلوا يفعلون ذلك منذ الثمانينات ويُصرُّون حتى اليوم وبدون أدنى حياء على الاسم (الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – قطاع الشمال).. فهو القطاع الذي يعمل في الشمال بالنيابة عن الحركة التي تحكم الجنوب ولم يحمل اسم قطاع السُّودان!! بل إن الحركة لا تزال تُصرُّ على اسمها العدواني القديم (لتحرير السودان) وليس لتحرير جنوب السُّودان فتأمل!!
كذلك فإن إصرار الحركة على أن تسمِّي دولتها الجديدة بجنوب السُّودان يقف شاهداً على ما تخطِّط له الحركة التي لم تُخف في يوم من الأيام رغبتها في إقامة مشروع السُّودان الجديد بغرض ضم الشمال إليها ليكون تحت حكمها وعملائها العنصريين وتُعاد هيكلة السُّودان (الشمال) ويصبح كياناً آخر غريب الوجه واليد واللسان!!
الطيب مصطفى
صحيفة الإنتباهة [/JUSTIFY][/SIZE]
