التفــاوض مــع قطـــاع الشمــال لمـــاذا؟!

[SIZE=5][JUSTIFY]تعود حالة الالتباس في مواقف الحكومة من قطاع الشمال بالحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب، إلى غياب تعريف محدد لهذا الفصيل الذي يعد أكبر تكتل مسلح يستهدف البلاد وأمنها واستقرارها، فهو ليس فصيلاً مستقلاً وحركة سياسية وعسكرية وطنية المنشأ والتوجه والشعارات والاسم، تتبنى مشروعاً سياسياً يتعلق بالداخل السوداني وتختلف مع الحكومة حوله، ولا صلة له ولا ارتباطات بدولة أجنبية تجعل منه مجرد صدى لصوت أجنبي ومخلب قط يستخدم في إضعاف السودان واستنزافه.

فقد تعاملت الحكومة مع الضغوط الخارجية والرأي الغالب لتيار داخلي مؤيد للحوار مع هذا القطاع دون أن تتريث قليلاً في إيجاد توصيفات وتعريفات للطرف الآخر في الحوار، هل هو طرف وطني أصيل له قضية معلومة ومعروفة ينبغي التوصل لحلول لها، أم هو نقل لجرثومة الحرب والتمرد مثل البعوض الذي يحمل داء الملاريا والذباب المحمل بجراثيم تسبب العلل والأمراض.
وحتى لحظة موافقة الحكومة على الحوار مع قطاع الشمال بالحركة الشعبية، ليست هناك ملامح جاهزة لنوع وشكل الحوار والمتحاور معه الذي سبق أن اتخذت الحكومة وحزبها المؤتمر الوطني موقفاً شبه نهائي بعدم الحوار معه، وعملياً كان الحوار الذي بدأ وتم تشكيل وفد له برئاسة د. كمال عبيد ينحصر في مشكلة جنوب كردفان والنيل الأزرق، وليس قطاع الشمال.. لكن الحكومة التي وافقت على خريطة طريق مجلس السلم والأمن الإفريقي في العام الماضي وقبلت بقرار مجلس الأمن الدولي رقم «2046»، تبدو اليوم أكثر حماساً من أي وقت مضى للجلوس إلى طاولة التفاوض مع قطاع الشمال بالحركة الشعبية، وهي سكرى وثملة بما حققته من توقيع المصفوفات الأخيرة، وعاد وفدها منتشياً كأنه أُعطي الحكمة وفصل الخطاب.

ومن الخطأ إعطاء ما يسمى «قطاع الشمال» دون أن نعرفه تعريفاً دقيقاً، اعترافاً مجانياً يجعله يأخذ مشروعية لا حد لها في التحرك السياسي في الفضاءات الدولية التي كان يدخلها من الأبواب الخلفية.. ولا يخفى على أحد أن موقف الحكومة السابق من قطاع الشمال وعدم الاعتراف به ورفض مفاوضته، نزع عنه أي غطاء يؤهله لتلقي معاملات وتعاملات مباشرة في كثير من دول العالم حتى الدول الغربية التي كانت تحاذر في استقبال قياداته بصورة رسمية وفي العلن، وقبل عام تقريباً لم تستقبل دولة أوربية كبيرة أحد قيادات هذا القطاع، ولم تسمح له بعقد لقاءات مع وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية، مما اضطر السفارة الأمريكية في تلك الدولة إلى مجاملته بعقد اجتماع له مع بعض الجهات غير الرسمية في مبنى السفارة مع ما سببه ذلك من حرج.
وعلى الحكومة التفريق بين مساعي الحل لقضية جنوب كردفان والنيل الأزرق والبحث عن سبل لوقف الحرب في هاتين الولايتين، بعيداً من صنع وتضخيم عدو سياسي وعسكري لا يفيد التفاهم معه في شيء. وكنا نتوقع من الحكومة ووفدها العودة من أديس وفي أيديهم اتفاق كامل بفك الارتباط بين دولة الجنوب وقطاع الشمال بالحركة الشعبية، لكن للأسف جاء الوفد مذعناً للضغوط الخارجية ليعلن أن الحوار سيكون مع قطاع الشمال.. وبدلاً من إزهاق روح هذا القطاع والتضييق عليه وحصره وتحجيمه بفك الارتباط وحصاره ووقف الإمداد الذي يصله ووقف مساندة جوبا له، تنفض عنه الحكومة الغبار وتعيده لأرض الملعب من جديد ليكون لاعباً أساسياً في الساحة وربما بعد حين شريكاً في الحكم!!

هذا التخبط الحكومي أمر محير للغاية ولا تفهم أسبابه، فهل هو تلاعب أم غفلة؟ ففي يونيو 2011م أبرم اتفاق مع قطاع الشمال، وقبل أن يجف المداد الذي وقعت به الحكومة ذلك الاتفاق يُلغى بقرار من المكتب القيادي للحزب ومن الرئيس شخصياً، فكيف تعود الحكومة لما هو أسوأ منه وتحت تهديد سيف القرارات الدولية المسلط على رقبتها، فقد أصبحنا لا نفهم ماذا تريد الحكومة وكيف تفكر وماذا تريد أن تفعل بكل هذه التنازلات؟!

الصادق الرزيقي
صحيفة الإنتباهة [/JUSTIFY][/SIZE]

Exit mobile version