تحقيقات وتقارير
الترابي.. مزاجية أم شفافية؟!

فان كانت المرة الأولى تكشف عن اساليب ووسائل العمل التي كانت سائدة في اوساط الإسلاميين السودانيين تحت إمرة الدكتور الترابي وقتذاك فان الثانية قد تومئ الى تحول في طرائق تفكير ومناهج عمل حزب المؤتمر الشعبي تنزع نحو الشفافية والسير في وضح النهار.
فقد اختار الرجل (في اجتماع هيئة قيادة حزبه) ان ينتقد بشدة وامام الملأ أداء امانات حزبه ووصفها بالمتعطلة والضعيفة وتحدث باستهجان عن غياب وعدم فعالية رؤساء واعضاءالامانات، بل قال انهم «لم يفعلوا شيئا مما كلفوا به» ، شاكياً من «شح المال» داعياً الى تقليص عدد الامانات.
ويرى مراقبون أنه تحول كبير في مسار الممارسة السياسية للترابي وحزبه، بينما يقرر آخرون انه لا سبيل للحديث عن شفافية وسير تحت الاضواء الكاشفة طالما ان الدكتور يحمل وزر التخطيط والتنفيذ للانقاذ وانه يعمل الان وفقاً لردات ذلك الفعل.
يعزز من ذلك ما كان كشف عنه الدكتور التجاني عبد القادر في مقالاته المنشورة بهذه الصحيفة قبل عامين والتي صدرت لاحقاً في كتاب يحمل عنوان «نزاع الإسلاميين في السودان» من ان تصورين مختلفين تسببا بصورة مباشرة في أزمة الإسلاميين. التصور الاول يحمله الامين العام للحركة الإسلامية الدكتور الترابي يقضي بأن دور العناصر العسكرية الإسلامية التي نفذت الانقلاب دور ادائي او وظيفي محدود، وان وجودهم على رأس السلطة الجديدة لا يتجاوز دور «الامناء» الذين ينبغي عليهم رد الامانات الى أهلها، وان دور العناصر المدنية التي وضعت مبكراً في قمة السلطة وعلى قدم المساواة مع العسكريين ينحصر في دحرجة العسكريين الى خارج السلطة بطريقة هادئة، مع تهيئة المناخ واعداد المسرح لمرحلة القيادات الإسلامية، والتصور الثاني يحمل رؤية معاكسة لرؤية الترابي تبلورت داخل المكتب القيادي وكسبت وزناً يفوق الوزن الذي تناله رؤية د.الترابي.
الا ان الصحافي أبوذر علي الامين يضع ثلاثة اسباب تؤكد ان اتجاه الترابي والشعبي نحو الشفافية والعمل العلني جدي ولا مناص من السير فيه قدماً، الأول ان مشروع الترابي وبرنامجه ضرب من جهة العمل السري والتنظيم الخاص وهذه التجربة رسخت لديه قناعة التعامل مع القضايا التي تهم كل الناس في العلن، سواء كان ذلك عبر الافكار او الآراء او المواقف السياسية أو الانشطة التنظيمية حتى لا تكون هناك قوى في الظل تمتلك كل مفاتيح السيطرة والقهر فتأتي من جديد على التنظيم والمشروع فتعمل على ضربه وافشاله، ويمضي ابوذر إلى السبب الثاني الذي يجعل من التحول نحو الانفتاح على الجميع حقيقياً وصادقاً ان حجم التحديات التي تواجه البلاد تستدعي عرض بضاعتك السياسية للآخرين بحيث لا تكون فيها بنود أو خطط سرية حتى تستطيع أن تصل مع الآخرين إلى مشتركات حقيقية تستدرك على واقع البلاد وتؤسس لقواعد عمل ونشاط سياسي جديد بين القوى السياسية المختلفة بعد أن أصبح واضحاً للمؤتمر الشعبي ضرورة وجود قواعد ومشتركات حقيقية بين القوى السياسية وضرورة الانفتاح على الشعب والتأسيس لمستقبله القريب والبعيد، والثالث ان التوجه المبدئي أصبح «لا كهانة ولا كهنوت في الشأن العام».
وفي الاتجاه ذاته ، يمضي أمين الامانة السياسية بالمؤتمر الشعبي كمال عمر حين يشير الى ان المؤتمر الشعبي كيان جامع شامل مؤصل على الدين منفتح على أهل السودان كافة ينظم جماعة تأسست وتناصرت على أهداف ومقاصد تنتظم كل شعب الحياة، ويسعى إلى تحقيق اهدافه بالتمكين في القيادة أو التأثير في المجتمع ، مناظراً بالحق، متنافساً مع غيره بالحسنى، ملتزماً في بنائه بمبدأ الحرية والشورى يتوالى الناس فيه طوعاً دون اكراه، ليخلص الأمين السياسي للحزب بعد هذا التعريف إلى أن ذلك يقتضي مبدأ العلنية في كل المساقات التنظيمية بالحزب، مؤكداً انهم ودعوا السرية على الاطلاق، مضيفاً «نحن جربنا الانقلابات وكانت المحصلة الخيانة التي يعاني منها السودان جميعاً».
المحلل السياسي محمد أحمد بشير الأحمدي يرى أن الترابي رجل سياسي وليس بالسهولة تحديد مقاصده ودوافعه من الكلام الذي يطلقه، ومن هذا الباب يمكن أن يكون هذا وضوحاً أو غموضاً، وهذا يدفع – بحسب الأحمدي – إلى السؤال حول كيفية تعاطيه للسياسة كمثقف «هو صاحب حرفة وصنعة أكثر من أنه صاحب مهنة، وبالتالي عليه ألا ييأس من حرفته التي ترتبط بصنع أياديه» ، ويمضي الأحمدي موضحاً أن الحرف دائماً ما ترتبط بالأشخاص خلاف المهن التي ترتبط بطابع مؤسسي».
وهنا يقر كمال عمر بتأثير الترابي كشخص وكاريزما، ليس على الحزب فقط وإنما في المحيط الاقليمي والعالمي، ولكنه يعود ويستدرك «هذا لا يعني أنه يقود الحزب فردياً».
ولكن إلى حد يمكن أن ينجح التحول من خبرة وتجربة عمل سري نصبت أعمدته طوال 40 عاماً على التكتم والتنظيم الخاص إلى عمل مفتوح وعلني، الأحمدي يقول ان الترابي اصلاً صاحب مشاريع ولافتات مثلت تاريخ ومنعطفات الحركة الاسلامية، لذلك تفسير أن الرجل يتقن العمل السري والعسكري وحده لا ينصفه فهو قارئ ومعد جيد للتاريخ واحداثه.
ومع ذلك هل يمكننا التريث قليلاً قبل الحكم على مآلات الامور إذ كان الكاتب ومساجل الإسلاميين الأول من قبيلة اليسار الحاج وراق قد أخذ على الدكتور حسن الترابي ما أسماه بالتسيب المنهجي في معرض تناوله لآراء واجتهادات صادرة من الرجل، وقال وراق في عموده الشهير مسارب الضي بتاريخ 27 مايو 2006 «ورغم استنارة عديد من آراء الترابي إلا أن تسيبه المنهجي، خلاف خطئه نظرياً، فان له مخاطر بالغة، وهي ليست مجرد مخاطر نظرية، وانما مخاطر عملية وملموسة، تؤكدها تجربة الترابي السياسية، حيث يتيح هذا التسيب المنهجي الدفاع عن الفكرة ونقيضها، عن الحرية وعن القمع، وعن العمل السياسي المدني وعن الارهاب، وأيما مراقب لمسيرة د. الترابي يستطيع أن يلحظ هذا «التسوق» بين النقائض المختلفة، على مر الأزمان، وباختلاف مصالحه الحزبية والشخصية» ، ويمضي وراق إلى تحديد خطورة أخرى مرتبطة بالتسيب المنهجي لدى الترابي يجعله «التجديد ليس قائماً على معايير محددة ومعلنة، يستطيع أياً من كان استخدامها، وانما ممارسة مزاجية تعسفية، وبالتالي تتحدد المرجعية النهائية لا بالمعايير الموضوعية وانما بمزاجية المجتهد، أي بحسب ما يراه «المجتهد الأوثق» في مصطلح د. الترابي، وبالطبع فإن المجتهد ، فإن «المجتهد الأوثق» انما هو الترابي نفسه» ، ويضيف وراق «كأنما صدورها – الأفكار – عن الترابي شخصياً كاف في حد ذاته لاثباتها، أو أن عبء اثباتها يقع على المريدين، الأقل شأناً وعلماً!!».
التقي محمد عثمان :الصحافة [/ALIGN]







الدكتور حسن الترابي شخصية سياسية اسلامية لها دور كبير جدا في الحياة السودانية ،و لا ينكر احد انه من مفكري الامة الاسلامية ومن مجددي فكرها وله كثير من المؤلفات والاراء الجيدة والشاذة ولكن اكثر ما يميز الدكتور الترابي انه قوي وعنيد وذكي ولايخاف احد الا الله ، ولذلك يعتبر أطول الزعماء السياسيين بالسودان مدة سجنا ولذلك تجد له من الاعداء والشامتين وابناء واصدقاء الامس الذين صاروا اعداء اليوم ، وهو كاي شخص مفكر يقبل الجرح والتعديل في مسيرته المتصلة التي اسهم فيها بالكثير واخفق فيها وأكبر اخفاق في نظرى هو هذا النظام الانقاذ الذي وللاسف شوه الكثير من القيم والاخلاق ،