د. هاشم حسين بابكر : باختصار هذا «….» ما أقترحه على رئيس الجمهورية

[JUSTIFY][SIZE=5]اضطرني الوضع الإقليمي والداخلي لسطر هذه الرسالة بعد أن وضعت رسالتي الأخيرة لتكون آخر تواصلي معك من على بُعد. فالمستجدات على الوضع السياسي الإقليمي وخاصة في الجارة مصر سوف تلقي بظلالها علينا، وستكون ظلالاً ثقيلة ومريعة!!
في مصر قوى معارضة قوية ومنظمة تستطيع بإذن الله أن تصل إلى أهدافها بالطرق السلمية رغم المذابح التي تتعرض لها، وهي قوة تستطيع أن تحشد، ومؤيدوها يطيعون وينفذون ما يُطلب منهم، ورغم أن الصراع في مصر يفتقر إلى الحل السياسي ويعتمد على الحل الأمني إلا أن المعارضة تعمل لتحقيق هدف سياسي معين واضعة نصب عينيها وحدة وسلامة مصر، لذلك نجدها تتجنب الصراع العسكري وتفادياً لوقوع حرب أهلية تطيح بمصر التي تقف كدولة منذ سبعة آلاف سنة!!

وشاءت الأقدار أن يمنى السودان بفقر دم في الرؤى السياسية لدى المعارضة ونظام الحكم على السواء، وضعف المعارضة ألقى بظلاله على ذات النظام الذي ضعُف هو الآخر، فقوة النظام الحاكم تُستمَد من قوة معارضته وليس من ضعفها، فإذا كانت المعارضة المصرية تستطيع وفي جو من الكبت والإرهاب الذي تمارسه الدولة عليها أن تحشد المظاهرات وتقيم الاعتصامات، فإن الوضع في السودان مغاير تماماً، حيث لا تستطيع أحزاب المعارضة ولا حتى حزب الحكومة أن تحشد مكاتبها السياسية ناهيك عن حشد المواطنين!!

الحقيقة المؤلمة سيادة الرئيس تتجسد في الهوة السحيقة بين الشعب من جهة وبين معارضته ونظام حكمه على السواء، لا تناغم ما بين الشعب ونظام حكمه وما بين ذات الشعب مع معارضي نظام الحكم.

والأمر الطبيعي أن يكون لنظام الحكم والمعارضة السياسية ولاء من جانب مناصريهما، وهذا الولاء يفتقده الاثنان معاً، وهذا الوضع السياسي المعوج سمح بنوع آخر بغيض للولاء، وهو الولاء القبلي، إذ ذهبت السياسية وظهرت القبلية وغاب الحس الوطني، والأخطر من ذلك أن غياب السياسة يعني ظهور الحرب، وهذا منطقي حين تغيب السياسة تسود البندقية لملء الفراغ السياسي، وليتها حرب بين الحق والباطل لكان الأمر هيناً ولكنها حرب الباطل على الباطل ليسود باطل أسوأ من ذلك الذي تمت محاربته!!

فالحروب الأهلية غالباً ما تفضي في غياب السياسة إلى انشطارات وتقسيم للبلد وهذا ما حدث لجنوب السودان، لكننا والحال باق على ما نرى سنشهد حرباً من نوع آخر تُعرف بحرب الغوغاء، وهذه النتيجة الحتمية لضعف المعارضة ونظام الحكم معاً، فقد غابت تلك القوى التي تعرف بالقيادات السياسية الحكيمة، إننا اليوم نعيش فراغ حكمة قاتل من جميع الأطراف السياسية معارضة كانت أم حاكمة. وسنة الحياة تقتضي ملء الفراغ، وفراغ الحكمة السياسية يملؤه الشر الذي يتربص بالبلاد والعباد!!
تنتشر الآن شائعات التقارب بين «الإسلاميين» إن لنا أن نتساءل لماذا تفرقوا؟! وعلى أي أمر سيتفقون؟ ولماذا شائعة التقارب الآن؟ وهل اختلفوا على منهج؟ وإن كان الأمر كذلك فالاختلاف مازال قائماً حسبما تعلن أطراف النزاع «الإسلامي» إنه محاولة مصالحة «إن صحت» للحفاظ على الوجود!!

وإذا قارنا بين الإسلاميين في مصر وصراعهم مع النظام الدموي لوجدنا فرقاً شاسعاً بينهم وبين «الإسلاميين» في السودان، والحشود الضخمة التي رأيناها على شاشات التلفزة رغم أن الذين نظموها هم من القيادات الإسلامية نجد أن نسبة الإخوان المسلمين لا تتعدى العشرين في المائة فالنسبة العظمى من الحشود هم من المتعاطفين معهم والكثير من الأحزاب المشاركة أحزاب ليبرالية تختلف مع وجهة نظر الإخوان المسلمين، ولكن جمعهم الهدف وهو استرداد الحرية والديمقراطية التي سُلبت منهم!!

أي هدف يجمع المعارضة السياسية الضعيفة، وأي هدف يجمع الإسلاميين ويزيل الخلافات بينهم وبلمسة سحرية مفاجئة دونما هدف محدد، وتجمعهم مرة ثانية لا أرى له سبباً مقنعاً، فالفساد الذي يتحدث عنه الطرف المنشق استشرى كالسرطان، والنظام مازال على حاله السيئ بل ازداد سوءاً، حتى أصبح دولة بلا اقتصاد، فما الذي استجدّ ليجمع الإخوة الأعداء؟!!

السيد الرئيس إن إنقاذ البلاد لا يتم بالطريقة التي تُحكم بها البلاد الآن، وإن الإصرار على البقاء دونما تغيير للوضع السياسي ستقع الأمة السودانية أو بالأحرى ما تبقى منها لخطر الزوال، فحزب الحكومة منشق على نفسه والأحزاب التقليدية استطعتم كسر عينها، أما الأحزاب العقائدية فإن عوامل التعرية السياسية التي مر بها العالم حكمت عليهم بالاختفاء الطوعي بسبب انقطاع أنبوب التغذية من المصادر التي اختفت من الخارطة السياسية العالمية فلجأ الكثيرون منهم إلى أعداء الأمس «أمريكا» طمعاً في أنبوب تغذية جديد!!

وكما أسفلت لا تستطيع قوى المعارضة التي غرقت في وحل الضعف والانكسار أن تقدِّم جديداً مقنعاً ويتساوى حزب النظام مع المعارضة في هذا فربع قرن من الزمان أكثر من كاف ليقدم النظام ما لديه، وقد ثبت ذلك مراراً وتكراراً، فربع قرن في عمر دولة كفيل بالتغييرا إن سلمت النوايا ووضحت الأهداف وطُبِّق المهنج!!

إن الله هو الذي سيحاسبنا على ما قدمناه، وسنقف جميعاً من أيَّد ومن عارض ومن آثر الابتعاد لنجيب عن سؤال الملائكة فيم كنتم؟ فبماذا سنجيب؟ وأنا حين أكتب إليك فإن أمام عيني أرى سؤال الملائكة هذا وأخشى منه، لذا فضلت أن أكتب إليك وفضلت أن تسألني أنت سلباً أم إيجاباً فسؤال إنسان لي أهون بكثير من سؤال الملائكة الذي أعجز عن الإجابة عنه وأنت تعرف مثوى من يعجزون عن إجابة سؤال الملائكة!!

أقترح علكيم اقتراحاً يمهد للخروج من الأزمة التي ليست أزمة اقتصادية أو سياسية إنما هي أزمة وجود لما تبقى من السودان عربياً كان أم مسلماً، وقد اقترحت هذا من قبل واليوم أكرر المقترح.

السودان لا يحتاج إلى سياسيين ولا إلى استقطابات حزبية ولا أي إغراءات مادية للبعض حتى يصمتوا، والإغراءات تغري الكثيرين لطلب المزيد على حساب هذا الشعب الذي عُرف بالصبر وتحمل فشل أنظمة حكمه، حتى إنه ما عاد صبراً بل انكسار وحين ينكسر الشعب تثور الغوغاء التي لا تملك ما تخسره!!

أقترح أن تحدث ثورة من داخلكم، وهذا لا يتم إلا بتغيير جذري في النظام وتكوين مجلس عسكري مدعوم بالمخلصين من السياسيين والاقتصاديين وتشكيل حكومة تكنوقراط تبني ما تهدَّم فالسودان يحتاج للأساسيات وأولها المياه التي كانت سبباً في تدهور الأوضاع في دارفور، والتي حينما تنزل علينا من السماء رحمة تتحول بفضل الإهمال إلى نقمة!!
نحتاج إلى رابط اقتصادي يربط السودان بعضه ببعض ولهذا الرابط قامت السكة الحديد ولكنها تدمَّرت تحت أيدي الحكم الحالي، وكان الأمل أن تقوم السكة حديد بربط السودان ذي الموقع الإستراتيجي بغرب إفريقيا ومنطقة البحيرات والقرن الإفريقي ليقدم السودان لهذه الدول الغذاء ويقوي الروابط بين هذه الشعوب!!

هذا باختصار ما أقترحه عليك

صحيفة الإنتباهة[/SIZE][/JUSTIFY]

Exit mobile version