قال العلامة القرطبي الفقيه المفسّر المالكي رحمه الله : «وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم ، وأما تعلية البناء الكثير على ما كانت الجاهلية تفعله تفخيماً وتعظيماً فذلك يهدم ويزال، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبهاً بم كان يعظم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي ينبغي أن يقال هو حرام، والتسنيم في القبر ارتفاعه قدر شبر، مأخوذ من سنام البعير».
وكلام الإمام القرطبي السابق هو ما نصّ عليه الإمام مالك رحمه الله في المدونة، وعلّق عليه سحنون رحمه الله «1/189» والقول بتحريم البناء على القبور تلقاه علماء الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة لوضوح الأحاديث الواردة في ذلك، وصراحتها، والبناء على القبور وتزيينها وإيقاد المصابيح عليها هو من الوسائل التي بسببها يقع بعض الناس في الشرك بالله تعالى وهو أعظم الأخطاء والمنكرات، فإن الشرك يكون بدعاء المقبورين والأموات وندائهم من دون الله تعالى، وتجصيص القبور وبناء القباب عليها هو من الوسائل التي توصل إلى ذلك. وحماية للمسلم في أهم ما ينلك من المعتقد الصحيح نهى النبي الرؤوف الرحيم بأمته من ذلك.
وعلى الرغم من خطورة بناء القباب على القبور وخطورته إلا أن السلفيين يؤكدون أن الشريعة لا تقر مهاجمتها ولا تكسيرها ولا شيئاً من ذلك دون أن يكون ذلك بأمر الحاكم وولي الأمر، فإن الذي يقرره السلفيون في كتبهم ومؤلفاتهم ودروسهم وفتاويهم أن تغيير المنكر إن كان باليد فهو إلى الحاكم أو من يأمره ، أو للرجل في بيته لأهله ومن هم تحت ولايته، والسلفيون في شرحهم لحديث النبي عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم، يبينون درجات إنكار المنكر ويؤكدون على أن: التغيير باليد للقادر عليه كالحكام، والرجل مع ولده وزوجته، وإلا فالتغيير باللسان وهو للعلماء ومن في حكمهم من الدعاة وطلاب العلم ومن لديه علم بالمنكر، وإذا لم يتمكن من التغيير باللسان فينتقل إلى التغيير بالقلب.
فالتغيير باليد يكون في حق من استطاع ذلك كولاة الأمور والجهات المختصة بذلك فيما جعل إليها، والإنسان في بيته مع أولاده وأهل بيته فيما يستطيع. أما من لا يستطيع ذلك فإنه لا يغير بيده بل ينكر بلسانه ويكفيه ذلك لئلا يقع بإنكاره باليد ما هو أنكر من المنكر الذي أنكره، ولئلا تصيح الأمور فوضى يغير كلٌ بيده، كما نص على ذلك أهل العلم. وحسبه أن ينكر بلسانه فيقول: هذا لا يجوز، وهذا يجب تركه، هذا يجب فعله، ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة وبالأسلوب الحسن.
إننا نأسف أن يقع مثل هذا المنكر العظيم الذي فيه مخالفة شرعية واضحة، ونرجو أن ينتشر العلم الصحيح حتى لا توجد مثل هذه الأعمال التي لا يقرها الإسلام ولم يكن في صالحي الأمة وسلفها الصالح ذلك في العهود المباركة التي سارت على الأدلة الشرعية ولم تسر على التقليد الأعمى أو التعصب لما عليه الآباء وبعض المتبوعين، وقد أسِف كما نأسف العلامة الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله حيث قال في منظومته «سلم الوصول إلى علم الأصول في توحيد الله واتباع الرسول» ما يلي:
ومن على القبر سراجاً أوقدا *** أو ابتنى على الضريح مسجدا
فإنه مجدد جهارا *** لسنن اليهود والنصارى
كم حذر المختار عن ذا ولعن *** فاعله كما روى أهل السنن
وقد نهى عن ارتفاع القبر *** وأن يزاد فيه فوق الشبر
وكل قبر مشرف فقد أمر *** بأن يسوّى هكذا صح الخبر
وحذر الأمة عن إطرائه *** فغرهم إبليس باستجرائه
فانظر إليهم قد غلوا وزادوا *** ورفعوا بناءها وشادوا
بالجص والآجر والأحجار *** لا سيما في هذه الأعصار
وللقناديل عليها أوقدوا *** وكم لواءً فيها عقدوا
بل نحروا في سوحها النحائر *** فعل أولي التسييب والبحائر
قد صادهم إبليس في فخاخه *** بل بعضهم قد صار من أفراخه
فيا شديد الطّول والإنعام *** إليك نشكو غربة الإسلام
اللهم اهد كل من ضل عن الحق والهدى.. واجمع كلمتنا على صراطك المستقيم .
صحيفة الإنتباهة
ع.ش[/SIZE]
