عدت أجرجر إرهاقي للبيت بعد يوم إنعطف بي نحو حادث سير كما قدمت ، إشتعل فكري بشواغل ترتيبات اليوم التالي إذ يلزمني الامر مراجعة ورشة مما بعني اني غدا (اليوم) سالزم أزقة المنطقة الصناعية وعوالم (المكينيكية) وهم طائفة من الناس دمثة تفاصيل أنسهم ، ويتحلون بذائقة الحكي والتفسير الخالص قربا ورحما لمعاناة العوام ، حينما دخلت شارع بيتنا كان جاري (تاج الاصفياء) يزرع الزقاق يناجي شبحا عبر الهاتف ، الرجل الذي لا أراه الا لماما بدا مرتعبا من طارئ ليل بتفسير تطوافه بين اول الطريق ومنتهاه، توقفت حذوه استفسره وفق عادة فضول غير جارح او لئيم عما يقلقه ، أخبرني ان زوجته في حالة طلق وانه ينتظر صاحب مركبة مستأجرة كأنما ضل مسير مقود من يسعي بها فتأخر ، قلت بلا تردد لا بأس ساقلكم وإعتذرت عن سوء بعض ملامح مقدم السيارة وشرحت ما جري لي ، تراجع بكبرياء اكرهه في السودانيين بأن لا بأس بعد ان (حمدل) لي السلامة وقدم بين يدي روشتة برتكول إجراءات لما يجب فعله ، قلت لا بأس اخرج جماعتك ولنذهب ، تقدمت بحذر حتي اقمت السيارة في الزقاق الذي قست تربته بفضل مجاري واخاديد صمدت منذ الخريف فاستقبلت الشتاء بذات العثار والحفر ، قليل وقت واطلت الزوجة كان يمسك بها يتدرج في خطوها ، هي التزمت بعض ساعده وكثير أنين وبعض بكاء يتحول حينا لاستدعاء اسماء لا أعرفها ، مرافقتها واظنها اختها احتضنت شنطة صغيرة وتعلقت بصمت اقامته سترا علي عينيها ، جلس هو الي جواري عليه سكينة مصدوم فيما اتخذت زوجته واخته المقعد الخلفي ، علا صراخ احداهن فجأة فجفلت ، بكت بالم احسست به في مؤخرة راسي ، دونما شعور التفت نحوها ان هانت لكن ان صمدت وسكت فهذا ارفق بي وشرحت لها ان نواح النساء يشلني (وانا ما ناقص) ، بدوت فظا بقدر هممت معه بالاعتذار منها ومن زوجها الذي كان غائبا في هموم ووديان تدبير حاله فلم يأبه بي ! كان يعد قليل نقد دفع به للمرافقة مع حزمة تعليمات (لو قالو فحوصات او موجات) ، دس بقية المال في جيب الجلباب سمعت يدعو الله بالستر ، تحركنا نشق الظلام ، كل ارتطام حجر باطار كان ينتج آهة من السيدة وصرخة مني ، احسست ان الطلق نالني انا ! ومثل غالب الخيارات قصدت مستشفي (الدايات) بامدرمان ، الذي حينما وصلناه وجدت ان المدخل قد حول الي الشارع العابر لقوائم بوابة عبد القيوم ، استقبلني نظامي من امن المستشفي ، مد راسه وقبل ان يسأل كانت صرخة مريعة قد ردته من فوره لفتح الباب ،عبرنا مباشرة الي مدخل الطؤاري استقبلتنا موظفة بغير كثير استفهامات ، امرت المرافقة بالتوجه الي حيز خصص للسيدات فيما تكفل نظامي بلباس مدني بارشادنا الي بوابة الخروج لركن السيارة بالخارج والعودة والانتظار في مقاعد رصت داخل هيكل قطية جميلة البناء ، خرجنا وعدنا راجلين ، كان المكان قد وشي في باحات المستشفي بحدائق صغيرة بهية الانتظام بخضرة تسر الناظرين ولو ليلا ، مايكرفون مثل ذاك المستخدم لنداءات المسافرين بالمطارات يطلب فلانة مرافقة فلانة ، تنهض المستدعية لاستقبال الطواري فتجري اجراءات استخراج الملف وتستلم توجيهات للصيدلية لبعض المطلوبات ، كنا وصاحبي نكتفي بالفرجة حتي ورد اسم زوجته نهض مذعورا حتي انه لاحق حذائه الذي فر منه وعمامة تركها فوق كتفي مثل بقية زبد سال بكتفي ، لحق بشقيقة زوجته ثم اقبل نحوي جزلا ، قال هل تصدق دفعت فقط اقل من 200 جنيه وبعض جنيهات للادوية ، قال كمن فتحت عليه ابواب الراحة كنت اظن اني سادفع اليوم بقدر يكتمل بمسكي رهينة ! لم اعقب وجلست اتفقد المكان ، نظام وترتيب ونظافة لافتة ، هدوء لا يقطعه سوي عبور سيدة تمارس المشي بهدوء كارشاد طبي في مثل هذا المكان ، وزعت الخضرة واضواء المكان بحرفية فنان ، رتل الاطباء والطبيبات يمضي هنا وهناك يستقبل بعض استفسارات المشفقين بتطمينات ودودة ، بعد نحو ساعتين اتت المرافقة بغير الوجه القلق ، تحمل حلوي طافت بها علي المكان ايقظت حتي النائمين تحت غطاء البرد ، قالت وهي ترسل زغرودة عانقت صدي ارتدادات الطبل والنوبة الصاعد للسماء في ميدان الخليفة حيث المولد ، قالت مبرووك بنت ، قفز صاحبي مثل مشجع كرة في مدرج شعبي انفكت عثرته ، الحمد لله
لقد رايت بالامس أطباء وقابلات يشرفون هذا البلد ورايت مستشفي جميل ، مرتب ، مباني ومعاني ، عدت للمنزل علي تخوم السادسة صباحا ، وبي عظيم إمتنان كشاهد لمكان يقول ان بهذا البلد لا تزال هناك امكنة تماثل الاتقان والاخلاص والتفاني ، اظن اننا بحاجة لازالة بعض القذي عن اعيننا لبعض المؤسسات …والاطباء
محمد حامد جمعة
