في صباحٍ باكر من صباحات قرية ( الباجا ) الوادعة شمالي السودان ، ودعت الأم طفلها اليافع يتيم الأبوة ( ناهل ) وهو ذاهباً إلى مدرسته .
إمتطى ( ناهل ) دآبته الصغيرة ، وهو يُمني نفسه بيومٍ جميل مع أصدقائه ، وقف الطفل في طابور الصباح مع أقرانه وهو ينشد نشيد ( العَلم ) بحماسٍ الطفولة ونشاط الصباح .
إنتهى الطابور وإنصرف أقرانه إلى فصولهم ، إلا أن ( ناهل ) لم يتحرك من مكانه ظل واقفا لايحرك ساكنا .
ً ثم شعر أن الأرض تدور به فجلس في وسط ساحة الطابور المُشمسة !
إنتبه أحد المعلمين لطفل يجلس لوحده تحت أشعة شمس الصباح الحارقة ، فتقدم إليه فوجده ( ناهِل ) الطفل الذكي ، المؤدب المهذب ، المتفوق في دراسته ، فسأله في دهشة مابك يا ( ناهل ) لم تنصرف مع اقرانك !!
فكان رده كالصاعقة في أذن معلمه .. لا أرى أقراني يا أستاذ ولا استطيع أن أنظر أمامي !
وجم الجميع وسحابة حزن قد خيّمت عليهم !
وكان هول الخبر ينتظر أمه التي طالما أفرطت في حبه ، أصيبت والدته بصدمة قاسية وهي تستقبل طفلها ( أعمى ) بعد أن ودعها قبل ساعات بعينيه البريئة اللامعة ، ملوحاً بيده مودعاً لها على محياه ابتسامة مشرقة ، ممتطياً دآبته الوديعة .
وبدأت رحلة معاناة العلاج للاسرة البسيطة من مستشفى دنقلا ثم الخرطوم ، التي شُخِصت حالته فيها بأنها ( إنفصال للشبكية ) أفقدته بصره ، و بشرهم فيها طبيب أن كل شيء سيعود كما كان .
وكانت صدمة الاسرة الثانية وصدمة ( ناهل ) بفشل العملية !
( ناهل ) قد غاب الآن عن مدرسته قُرابة العام وأصبح مُقعداً في منزله لايقوى على الحركة لوحده ، حزيناً وقد إنطفأت إبتسامته ويعاني الآن من آلام موجعه في عينه ، تَحُول بينه ( 5800) دولار هي تكلفة تكفيف دموع أُمه ، و إعادة الإبتسامة إلى شفاه اليابسة ومسكه للقلم من جديد بمشيئة الله ، هذا المبلغ الذي هو تكلفة علاجه بالخارج ( روسيا ) ، لاتقوى عليه أسرته الكربمة البسيطة العفيفة التي لاتسأل إلحافاً تحسبهم أغنياء من التعفف .
مَن مِن بعد الله للطفل ( ناهِل ) الذي فقد والده في طفولته الباكرة ?
من يعيد نور عينيه ( من بعد الله تعالى ) أنار الله طريقه إلى الجنة ?
بقلم : محمد الطاهر العيسابي
motahir222@hotmail.com
رقم واتساب
00249-114441781
