المفاصلة كونها مجرد مسرحية

وأنت تنظر اليوم لمقعد الشيخ إبراهيم السنوسي في القصر الجمهوري، ويوسف لبس في البرلمان بجوار إبراهيم أحمد عمر وبدرية سليمان بلا شك سوف يذهب بك الظن أنّ ما جرى من أمر المفاصلة هو محض (تمثيليّة).. نعم؛ تمثيلية لا تنفصل بأيّ حال من الأحوال عن سيناريو الصعود الإنقاذي الأوّل (أذهب إلى القصر رئيسا وسأذهب إلى السجن حبيساً) حين موّه عرّابو العملية على المخابرات العالمية وعيون الداخل، حاجبين هويتهم عن الجميع، وقتها كان الترابي داخل الزنزانة يرقد بجواره الميرغني والصادق المهدي ونقد، فما كان من سكرتير الحزب الشيوعي إلا وباغته بالقول: “كتّر خيرك جاملتنا بعد دا أمشي لي أولادك ديل محتاجين ليك”.
* وبالرغم من كل الدماء والدموع والجراح لا زال ثمة من يصور حقيقة الصراع الذي انتهى إلى وثبة حوارية غير مشروطة بأنه مجرّد رواية من تأليف خيال سياسي (أزمة وذروة صراع وعودة للبطل) أو حوار تتوالى بعده اللقاءات بين الترابي والبشير تباعاً، وتنهي أيام العسل بين الشعبي وقوى المعارضة إلى فراق مبين ودخول السلطة عبر بوابة الأخوة وحقن الدماء وقيادة مشروع اصلاحي حقيقي للتكفير عن مجمل الأخطاء والخطايا.
* ثمة من يعتبر أن الاتفاق على المفاصلة غُيبت فيه القواعد حتى لا تفشي السر، وتمثلت الفلسفة في ذلك بأن تتقاسم الحركة الإسلامية شقي الرحى؛ في الحكومة والمعارضة، أما المبالغة في الصدام والعنف فقصد من ورائها صرف أنظار المتشككين عن حقيقة ما يجري في الغرف المغلقة، وأنّ على شيخ حسن – حتى لا تحترق كل مراكبه – أن يفتعل أسباب الصراع، ويغالب شهوة السلطة فيبدو غريماً لها في عيون المجتمع الدولي، وفي نفس الوقت يحتفظ بكلمة السر في أعماقه، وهي الرواية الأقرب إلى مزاج قوى المعارضة! لا سيما وأنه من عوامل نجاح العمل الدرامي الحبكة الجيدة التي تتطلب كثيرا من اﻹجراءات التعسفية ضد الآخر حتى يكون اﻹخراج جيدا ومقنعاً للحد البعيد.
* واحدة من الوقائع التي وقف عندها المراقبون إبان المفاصلة هى كثافة الوفود التي جاءت من الخارج لرأب الصدع بين الإسلاميين، الغنوشي والقرضاوي والزنداني، ولكن المدهش في الأمر أن تلك الشخصيات رغم تأثيرها وسطوتها إلا أنها كانت تصطدم بعقبة ما، وبمجرد أن تستمع للترابي تغادر الخرطوم دون حتى أن تتطرق إلى فشل مهمتها، والشاهد أيضاً على وجاهة العرض هو توقف التراشق بين الترابي وعلي عثمان رغمم المرارات والشعور بالخيانة، ما تلا الشهور الأخيرة أكثر من لقاء جمع الرجلين طوقته السرية ورشح منه كم من الابتسامات المصورة، البعض يعتبر علي عثمان هو جهاز الفاكس الذي يستقبل توجيهات الترابي بشكل غامض ومثير، وربما اندرج هجوم المعسكر الآخر على علي عثمان كنوع من الدخان المطلوب لصرف الأنظار، وصرف الأنظار أكثر لتحسين علاقات السودان الخارجية وفك العزلة عنه ومن ثم البحث عن صيغة للائتمار.
*شخصيا لا أرفض رواية أن المفاصلة مسرحية بالكامل ولا أقبله أيضاً بالكامل، وأعتقد أن كل أجنحة الحركة الإسلامية تحمل تصوراً متماهيا أو واحداً لمفاهيم الحكم، مع اجتراحات جديدة يمكن أن تأخذ صبغة (المنظومة الخالفة) وتكون أكثر مقبولية في الظروف المواتية.
عزمي عبد الرزاق






