جنوب السودان .. انفصال بارودي واستقلال بطعم الدم
بالتصويت الساحق، وضع الجنوبيون أولى الخطوات لإنشاء دولة خاصة بهم في العام (2011) ، ومنذ ذاك الوقت لم تفارق الساحة الجنوبية نواحي الاقتتال على المستويين الرسمي والقبلي . وتراوح الدولة مكانها،
بل وتتراجع للوراء تارة بعد أخرى منزلقة نحو بحر الصراع العنيف لتحقق انفصالاً بارودياً واستقلالاً بطعم الدم المسكوب سابقاً والآن على مشهدها العام.
وبالرغم من أن الرئيس سلفا كير ميارديت رأى في خطاب له بمناسبة الذكرى السادسة لاستقلال بلاده, أن الجنوبيين سوف يصوتون للانفصال حال إعادة الاستفتاء , إلا أن الحالة الجنوبية تعكس غير ذلك على المستوى الشعبي, فكثير هنا وتحديداً في السودان من أبناء الجنوب, يرون أن خطوة الانفصال ربما تشابه “الوابل” الذي انهمر عليهم كما الرصاص في ديسمبر 2013, ويعتقد البعض أن فكرة الكونفدرالية هي الأنسب لإيجاد حل جذري للصراع الجنوبي – الجنوبي.
وقال رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير ميارديت, إن شعب بلاده ليس نادما علي التصويت لصالح الانفصال عن دولة السودان خلال استفتاء 2011، في حين غابت الاحتفالات عن الذكرى السادسة للاستقلال.
وفي خطاب بالمناسبة، توقع سلفا كير أن يختار الجنوبيون الانفصال لو أعيدت عملية الاستفتاء مرة أخرى. وطالب جميع المواطنين بالعمل مع الحكومة من أجل “تحقيق السلام والاستقرار وبناء الدولة التي قدمت عدداً كبيراً من الشهداء في سبيل تحقيق الحرية والاستقلال”. وجدد رئيس جنوب السودان مناشدته لجميع المجموعات التي تحمل السلاح بالاستجابة لنداء السلام “والالتحاق بعملية الحوار الوطني والالتزام بإعلان وقف إطلاق النار”. ووسط استفحال الأزمة الغذائية واستمرار الحرب الأهلية، اعتبرت الحكومة أنه ليس من المناسب الاحتفال بعيد الاستقلال. وكانت هذه الأسباب قد دفعت جوبا لإلغاء الاحتفالات العام الماضي.
وفي خواتيم العام 2013 دخلت دولة جنوب السودان نحو عيدها الثالث بصراع دموي بين الرئيس سلفا كير ميارديت ونائبه الأول آنذاك د. رياك مشار لتقضي بذلك نصف عمرها في القتال والحرب, واشتد القتال بين الخصمين ليحصد وفق تقارير غير رسمية, أكثر من 1000قتيل تقول قبيلة النوير إنها فقدت من خلاله أكثر من 350 شخصاً من أبناء القبيلة كما أنها أشهرت اتهامات لحكومة جوبا بالتطهير العرقي.
وخلّفت الحرب الأهلية المستمرة طبقاً لتقارير أخرى عشرات الآلاف من القتلى وشردت نحو أربعة ملايين نسمة، بحسب لبيانات أممية. ومع اشتداد معاناة المقيمين في العاصمة جوبا، تحاول وكالات الإغاثة الدولية مواجهة أزمات جنوب السودان المتعددة وجمع تبرعات بشكل عاجل. وقال مسؤول بمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) إن ملايين الأطفال في جنوب السودان “يعانون مصاعب لا تصدق، وتراجع في مجالات التعليم والغذاء والصحة والحقوق”. وتشير اليونيسيف , إلى نزوح حوالي مليوني طفل من منازلهم ومقتل 2500 آخرين منذ اندلاع الصراع المسلح في 2013. وشهدت الحرب انتهاكات عرقية وقمعاً وحشياً دفع المدنيون ثمنها غالياً.
وتخيم على الذكرى السادسة بصفة عامة أزمة الغذاء فيما تستحوذ الاشتباكات على الأخبار المتواترة من دولة جنوب السودان بصفة يومية, ويرى المهتم بالشؤون الجنوبية جونسون تانج, أن البلاد تشهد تراجعاً وتقهقرًا في كل النواحي خاصة النواحي الأمنية, ويذكر لـ”الإنتباهة” أن العام السادس للاستقلال يأتي في ظل وضع ” دموي مقلوب,” ويضيف ” : بماذا نحتفل؟ ولماذا يوجه الرئيس كلمة للجنوبيين ويوجه البندقية لجنوبيين آخرين باليد الأخرى”؟
ويعلق جونسون شماعة الفشل للدولة الجنوبية على عاتق الساسة الجنوبيين ويقول ” نحن محبطون جدا للوضع القائم ببلادنا هناك مسؤولون يتحملون الوضع القائم الذي قلته”.
ووزير الإعلام بحكومة جوبا مايكل ماكوي، قال إن بلاده لن تقيم احتفالا هذا العام بمناسبة الاستقلال. ومضيى قائلاً “لن نحتفل بذكرى الاستقلال، لأن هناك أناساً يحتاجون إلى المال الذي كنا سننفقه على الاحتفال”، مضيفًا أن “مجلس الوزراء قرر أنه بدل استخدام هذا المال للاحتفالات , علينا استخدامه لغرض آخر إذا توافر هذا المال”.
المعارضة الجنوبية المسلحة , صوبت بدروها انتقادات عنيفة لخطاب الرئيس سلفا كير ميارديت, ورأت أن الخطاب فشل في تحديد الأزمة الجنوبية وطرائق علاجها وانتقل إلى مربع قديم حول العلاقة مع السودان يحمل بعض الإشارات التي مضى عليها الوقت ولم تعد مجدية في الوقت الحالي. وطلب قيادي رفيع بالمعارضة البحث عن حلول للأزمة الجنوبية أولاً, وقال للصحيفة في تعليق مقتضب ” لا حديث عن الاستقلال الآن والدماء في كل مكان”.
المجهر السياسي