تحقيقات وتقارير

امتهنَّ المهنة لضيق فرص العمل بائعات الأرصفة… الصمود في وجه العاصفة

من يتجول في أسواق الخرطوم، يلحظ افتراش بعض النساء بمختلف أعمارهن بضاعتهن على أرصفة الشوارع العامة الحيوية وبشكل متزايد أمام المحال التجارية رغبة منهن في تصيد الزبائن قبل دخولهم وبعد خروجهم من المحال للشراء منهن. ولم تثن التقلبات المناخية الكثير من البائعات رغم تلك التقلبات الجوية بين حرارة شديدة وبرودة مقيتة وغبار. وتعلل الكثير من البائعات أن اللجوء إلى هذه المهنة نتيجة لضيق فرص العمل أمام الكثير من النساء خاصة اللواتي لا يحملن مؤهلات عالية، بيد أن الحاجة لتوفير لقمة العيش هي الدافع للصبر وتحمل مشقات التنقل والبيع والشراء على أرصفة المحال. وأكدت أخريات أن ظروفهن الأسرية وعدم وجود العائل القادر على الصرف على الأسرة والأبناء دفعهن لتحمل تبعات هذه المهنة. وأكدت بائعات اعتمادهن كثيراً على البيع والشراء لتوفير مصروف أبنائهن، ويقيهن السؤال أو الاعتماد على الآخرين.

1

الحاجة (س) … بائعة الطواقي امرأة من فولاذ

وأمام عمارة الذهب في السوق العربي، قالت إحدى البائعات التي أعرضت عن الحديث في بادئ الإمر إلا أنها وبعد محاولة للأخذ والعطاء معها عن سبب دخولها السوق وافقت على الحديث بشرط أن يحجب اسمها، إلا أننا أطلقنا عليها لقب الحاجة (س) والتي قالت لي إنها أرملة وتعول أطفالها ولولا الحاجة ما مكثت على الأرصفة دون جدار حام أمام المارة، وتابعت: أبيع هذه الطواقي مع بعض أنواع المنسوجات اليدوية طالبة الرزق الحلال حتى يغنيني الله من فضله كما أغنى الناس. وتضامنت أخرى بجوارها اتسمت بالهدوء والنظرة الحادة مع حديث سابقتها، وقالت لي إن الحاجة هي التي دعتها لفرش بضاعتها على الأرض، مضيفة أن ما تجده من مال لا يفي جميع متطلبات الحياة المتزايدة مع غلاء المعيشة. وقالت: نحن فقط نبحث عن مصدر للقمة العيش لنا ولأبنائنا مشيرة إلى أنهن يجدن مضايقة من المحلية بالمصادرة والغرامات.

2

فوزية.. امرأة تطوع السعف

الحاجة فوزية يوسف، امرأة مسنة أراها دائماً تتخذ مكاناً منزوياً على الأرض في سوق ام درمان تبيع فيه أعمالاً يدوية من مكانس منزلية مصنوعة من سعف النخيل و (الليف) الذي يستخدم في الاستحمام، حيث أقصد دائماً شراء ما احتاجه منها احتراماً لكبر سنها ولعملها الشريف الذي استغنت فيه عن مد يدها إلى الآخرين، ولقناعتي أيضًا بأنها بأمس الحاجة إلى من ينفعها ويشتري منها، وعندما سألتها عن مصدر هذه المواد قالت: اشتري خيوط الصوف والبريسم والنايلون من بعض المحال التجارية واذهب بها إلى المنزل حيث تقوم بناتي الثلاث وهن جليسات البيت منذ أن فقدن والدهن في سن مبكرة بعمل أنواع مختلفة من الليف، إلى جانب صناعة المكانس اليدوية ولا نملك غير هذا العمل الذي أعيش به مع بناتي الثلاث .وندفع منه إيجار المنزل الذي نقطن فيه.

3

حاجة زينب.. رأس السعادة في حوش الإذاعة

عندما تبدأ الشمس في إرسال أشعتها الصباحية إيذاناً ببداية يوم جديد تخرج الحاجة زينب من بيتها وهي تهمهم ببعض الأذكار استعداداً لمشوار الحياة اليومي من أنقولا لحوش الإذاعة والتلفزيون بالملازمين، ولا تنسى أن تمر بدكان الحي لشراء السكر وبعض لوازم العمل، ينبض قلبها بالعافية والفرح والتفاؤل، تدخل الإذاعة باكراً.. تحيي الجميع بابتسامة صافية تكشف عن سن من الذهب تمنحها بريقًا خاصاً امتد من سن الشباب وحتى مراحلها المتقدمة من العمر، فالحاجة زينب (ست الشاي في حوش الإذاعة والتلفزيون)، امرأة قادمة من الزمن الجميل، حملت بداخلها كل ملامحه، يبدو ذلك واضحاً من أريحيتها وحنانها، فهي أم الحوش والعاملون فيه أبناؤها، تحرص على الحضور باكراً، فكثيرون لا يشربون الشاي أو القهوة إلا من يد الحاجة زينب، لهذا فهي أول من يوقد الجمرات تحت (كفتيرة) الشاي و(وقلاية) البن.

خمسة وثلاثون عاماً أفنتها الحاجة زينب في الحوش تدفئ قلوب الناس في برد الشتاء بقهوتها الحارة ذات المذاق الخاص والمختلف. عشق العاملون في الإذاعة والتلفزيون قهوتها حد القريفة، فأصبحت جزءاً من المزاج العام في الحوش.

تقول الحاجة زينب إنها شاهدة عصر على تاريخ الإذاعة السودانية، التقت بعدد كبير من نجوم الغناء والفنون الذين كانوا يرتادون الإذاعة لتسجيل أغنياتهم كان من زبائنها الفنان الراحل حسن عطية، وعثمان حسين وبادي محمد الطيب وعبد الدافع عثمان، الذين كانوا يحرصون على شرب القهوة عندها واصفين قهوتها بقولهم (قهوتك سمحة). الإعلامي الكبير محمد الكبير الكتبي الذي اختطفته من الحوش قناة الجزيرة القطرية أيضاً كان من زبائن الحاجة زينب والموسيقى عوض أحمودي والفنان صلاح بن البادية الذي لا يغادر الإذاعة قبل أن يشرب كباية شاي عند الحاجة زينب.

سرحت الحاجة زينب بعيدًا وهي تسرد ذكرياتها الجميلة في الحوش، وترحمت على المذيع الراحل حامد عبد الرؤوف الذي قالت إنه لم يكن يدخل للاستديو قبل أن يأتي ليشرب شاي الصباح باللقيمات، وكان يقول لي (أديني رأس السعادة)، متفائلاً مع بداية يوم جديد، كرمت الحاجة زينب كأم مثالية وسط أهلها من الحوش.. لا تزال الحاجة زينب محمد غبوش القادمة من جنوب كردفان تواصل عطاءها ومشوارها داخل الحوش وسط حب الناس ومودتهم لامرأة من زمن الحب.

4

الحاجة سكينة… حكاية وراء كل طعمية

جاءت الحاجة سكينة إلى الخرطوم لتدخل في دوامة الحياة بعد أن جارت عليها الظروف وتوفي زوجها في حادث أليم، لم تستسلم للظروف فكرت وقررت بيع الطعمية ويا لها من طعمية. تقول الحاجة سكينة التي اتخذت من سوق خليفة بالثورة الحارة 17 موقعاً لبيع السندات، تقول الحاجة سكينة

أنا بعمل الطعمية في أشكال اللحمة، زي السجوك والبيرقر والهوت دوق عشان الناس ياكلوها ويحسوا انهم بياكلوا لحمة وفي ناس بيحسوا كده طوالي). أجادت سكينة طهي السلات منذ صغرها، وظلت الكثير من الأسر الاستعانة بها عند المناسبات المختلفة، قبل أن تتحول لبيع الطعمية، والتي ترى أن أكثر الزبائن هم طلاب وموظفون؟

تجاوزت سكينة عامها الرابع في المهنة، وتشعر أنها وجدت نفسها فيها، وتضيف للصيحة بكل عفوية: (بس الوقفة طويلة وكمان اللف في القرطاس وغيار الزيت، لأنو لازم الزيت يكون نظيف وما راجع).

وتشير سكينة إلى أن أسعارها ارتفعت نتيجة لارتفاع أسعار المواد التي تعتمد عليها في صنع الطعمية مثل الزيت والكبكبي، وتؤكد أنها محرجة من هذه الزيادات لأن معظم زبائنها من الكادحين وطلاب المدارس.

5

نورا (بائعة الشاي).. عزيمة لا تلين

هناك في عروس الجبال (مدينة الدلنج) الوادعة في جبال النوبة أبصرت فتاتنا (نورا) النور قبل ما يقارب نصف القرن وكانت الابنة الكبرى للحاج (حمدان)، وما أن شبت عن الطوق إلا ووجدت نفسها زوجة وأماً لتواجه الحياة منفردة، تصارع المجهول مدججة بالعزيمة والإرادة وهي تواجه متطلبات الحياة فامتهنت بيع القهوة والشاي.

وعلى وقع ارتشافي لقهوتها المضبوطة، واصلت نورا سرد حكايتها للصيحة، وهي تقول: (أنا البلد دي جيتا راكبة لوري سفنجة، قديم قدم شديدـ كمل مروتنا بالدفر)، وبعدها استقرت بالثورة لتمتهن تجارة الشاي لما يقارب الخمسة والعشرين عاماً. لم تغير نورا مكانها ولا زوجها ولا زبائنها، كما أضافت الزلابية، لأولئك الذين يقومون بدري كما قالت وقصدت تجار الخضار ومنسوبي القوات النظامية وأصحاب الأكشاك والخضر والفاكهة واللحوم والذين تمثل نورا وشاي الصباح عندهم محطة أساسية قبل الانطلاق في طريق فتاح يا عليم ورزاق يا كريم.

تبدأ نورا عملها عند الساعة الرابعة صباحاً وتصل المنزل في السابعة مساء يومياً وبلا كلل أو ملل، لتنثر الحب والمودة بطلتها البهية وابتسامتها المستبشرة.

6

عزيزة (بائعة الدكوة)… صمود رغم الكارثة

على الرغم من الكارثة التي حلت بها بعد أن فقدت كل ما تملك جراء الحريق الذي نشب في سوق أم درمان، إلا أن عزيزة عبد الله بائعة الدكوة والتسالي الأشهر بسوق أمدرمان ظلت صامدة وواصلت مشوارها في الكفاح والنضال من أجل لقمة العيش في صبر وجلد كبيرين. تقول عزيزة إنها لا تعرف مهنة غير بيع الدكوة والتسالي التي توارثتها عن أمها وجدتها، منذ انتقالهم للعيش في الخرطوم، تعاني عزيزة هذه الأيام من انخفاض الشراء وقلة المتسوقين في ظل موجة الغلاء الذي اجتاح البلاد، وتشتكي قائلة: لم نعد نستطيع شراء بذور القرع أو بذور البطيخ لارتفاع سعرها. فضلاً عن ارتفاع أسعار الفول السوداني، مشيرة الى أن الحريق الذي نشب بالسوق أثر بصورة مباشرة على حركة البيع والشراء، فأصبحت الأمور صعبة ورفعت وجهها إلى السماء وهي تردد عبارة الله كريم.

وتضيف عزيزة: أغلب من يمتهن بيع الدكوة والتسالي يلقبن بـ(الحاجة) وترجع هذه التسمية إلى بعض القبائل الأفريقية التي كانت تعبر السودان في رحلتها إلى حج بيت الله الحرام، فكانت نساء هذه القبائل يمتهنّ بيع الدكوة والتسالي وبعض الحلويات الأخرى، لجمع مال يساعدهن في رحلتهن الطويلة إلى الحج. أما اليوم فقد بقي اللقب واختلفت الأسباب، إذ لعبت الحروب دوراً في نزوح النساء من الريف إلى المدينة والدخول في مجالات عمل غير منتظم. ولأنه مصدر الرزق الوحيد لهن، وتضيف: السوق بات حياتي ولا أتخلف عنه إلا لأمر جلل، وكل شهور السنة موسم بالنسبة لي، موضحة أن بعض بائعات التسالي والدكوة يرفضن البيع مباشرة في الأسواق لشعورهن بالخجل، فيقمن بإعداده وتحميصه وتجهيزه بالجملة، ومن ثم توزيعه على البائعات، في تطور يوضح أن هذا النوع من التجارة أصبحت فيه أدوار مختلفة .

جولة قام بها معاوية السقا
صحيفة الصيحة