تحقيقات وتقارير

حمدوك ــ الحافظ ــ عبد القادر .. عودة على قطار (الثورة)


ثلاثتهم تجرعوا من كؤوس الظلم فصلاً وتشريداً من العمل الحكومي، ورغم هضم حقوقهم ومصادرة أحلامهم وهم في سن باكرة، إلا أنهم تمكنوا من تجاوز كل المتاريس والعقبات ليلامسوا ثريا النجاح، وبعد مرور ثلاثين عاماً أعادتهم رياح الثورة إلى مناصبهم وسط اجماع كامل.

محمد الحافظ
السماء تنتصر للمظلوم وتتجلى قدرة الله وعدله في قصة مولانا محمد الحافظ الذي في خواتيم عام ١٩٨٩ كان عليه تجرع كأس الظلم المر وهو يجمع أوراقه ويحزم أغراضه ليودع المكتب الحكومي، بعد أن تمت إحالته إلى الصالح العام في بواكير أيام النظام المباد، وحينها كان شاباً غض الاهاب يتطلع إلى مستقبل حافل في سلك القضاء، ورغم الحزن الذي سكن دواخله إلا أنه سريعاً تجاوز هذه المحطة وانطلق في دنيا القانون محامياً لا يشق له غبار ومعارضاً شرساً للانقاذ التي كثيراً ما زار معتقلاتها واقبيتها السرية، وبعد ثلاثين عاماً تنتصر له عدالة السماء ليقع عليه الاختيار من قبل الحرية والتغيير نائباً عاماً وتشير سيرته الذاتيه المبذولة على الشبكة العنكبوتية إلى أنه درس مراحله الأولية بمدينة أم درمان، ثم التحق بجامعة القاهرة فرع الخرطوم كلية الحقوق، حيث نال منها درجة البكالريوس في عام 1975م، وكانت بدايته العملية بمكتب الراحل عبد الحليم الطاهر محامياً، وتدرب على يديه على أساسيات العمل القانوني قبل أن يتم قبوله بالنائب العام الذي تزامن مع قبوله في السلطة القضائية وفضل الالتحاق بالاخيرة في عام 1977م.

وأولى محطاته القضائية كانت بمدينة الأبيض حيث عمل بإحدى محاكمها في عام 1980م بعد أن أكمل المقررات التدريبية للقضاة في مدخل الخدمة، وتدرج في السلك القضائي متنقلاً بين عدد من المحاكم في أرجاء البلاد المختلفة، وحصل على عدد من الترقيات حتى تم تعيينه قاضياً لمحكمة مديرية الخرطوم الاستئنافية في عام 1988م، وخلال فترته الممتدة بالسلك القضائي عمل محمد استاذًا للقانون بكلية الشرطة لفرق الضباط من رتبة عقيد فما فوق.

وتوضح السيرة الذاتية للحافظ عدم الانتماء لحزب أو كيان سياسي، كما أنه لم يظهر ميولاً لأية أيديولوجيا أو منهج سياسي طوال مسيرته في سوح العدالة، وإن برزت مواقفه الديمقراطية ورفضه للحكم الدكتاتوري مبكرًا، حيث كان ذا صوت مسموع بلجنة القضاة التي قادت ثلاثة اضرابات في عهد الحكم المايوي، وساهمت في وضع حد لحكم جعفر النميري عبر الاضراب الشهير الذي قاده القضاة في عام 1985م..
وبعد الثورة السودانية ترأس اللجنة المحايدة لانتخابات الصحافيين التي أعقبت سقوط النميري في عام 1986م.

وترجل محمد الحافظ عن السلك القضائي في أغسطس من عام 1989 بعد احالته لما يعرف بالصالح العام أسوة بالملايين ممن طعنتهم الانقاذ في بدايات حكمها الذي عانى فيه الرجل الويل جراء تعرضه للاعتقال كمحام مدافع عن الحقوق، وكان أولها في عام 1996م حين تقديم مذكرة لجنة القضاة لنائب رئيس الجمهورية وقتها الزبير محمد صالح في القصر الجمهوري، حيث تم اعتقاله والزج به في السجن قبل أن يتم الافراج عنه، لتعاود السلطات الكرة أكثر من مرة نسبة إلى وجوده بلجنة القضاة. وفي عام 2001م تم اعتقاله وكذلك في أعوام 2007م و2009م و2018م، حيث ظل لاكثر من شهر داخل المعتقل، وحينها تدهورت حالته الصحية دون توجيه أية تهمة إليه.

ونال عضوية لجنة القانون الجنائي واصلاح التشريعات، وترأس المحور القانوني للسياسات البديلة في عام 2013م لتهيئة المسرح الديمقراطي، وهي التي تحولت فيما بعد إلى التحالف الديمقراطي للمحامين، كما أنه عضو بهيئة اتهام البشير ومن معه بتقويض النظام الدستوري في عام 1989م. وترأس الحافظ هيئة الدفاع عن طالب جامعة الخرطوم وعضو مؤتمر الطلاب المستقلين عاصم عمر الذي تم اتهامه بقتل شرطي لينال براءته في الأشهر الأولى من عمر الثورة السودانية. كما أن الرجل عضو بلجنة مراجعة الوثيقة الدستورية التي تم التوصل لاتفاق حولها بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري.
شهادة للتاريخ:

يقول عنه مولانا عبد الاله زمراوي:
يُعتبر مولانا محمد الحافظ من أشجع وأعلم القضاة ومُقاتلاً شرساً؛ شهدت له الساحات الوطنية منذ انقلاب الجبهة، وكلها معارك تصب في مصلحة استقلال القضاء وسيادة حكم القانون، وقد ساهم مساهمات مشهودة وكبيرة في انتفاضة أبريل عام ١٩٨٥، عبر لجنة قضاة السودان، فبعد انقلاب البشير تمّ فصله مع مئات القضاة الذين تم فصلهم للصالح العام، وطورد وحورب في رزقه نتيجة لمواقفه الصلبة والمبدئية ضد النظام منذ بيانه الأول، وقد تعرض للاعتقالات واخرها اعتقاله في العام الماضي، وقد قمنا بحملة عبر (قروب ٢٧ نوفمبر) وقروب القضاة السابقين لإطلاق سراحه بعد ان شارفت احدى رجليه مرحلة البتر، وقد تعنّت صلاح قوش في الطلبات المقدمة من أسرته، وظل في سجن كوبر حتى ساءت حالته الصحية نتيجة لمضاعفات السكري؛ ولما خاف جهاز الامن من موته داخل المعتقل قام بإطلاق سراحه، وقد عمل رئيساً لهيئة الدفاع عن الطالب عاصم عمر، ونازل بجسارة وبسالة النائب العام في محكمة مشهورة قضت بتبرئته من التهمة الخطيرة وهي قتل رجل شرطة.

اما في مجالي المهنية والخبرة القضائية فإنه جديرٌ بهذا المنصب المهم خلال الفترة الانتقالية واضافة حقيقية لركن مهم من اركان العدالة في البلاد، لأنه يمتاز ــ محمد الحافظ محمود ــ بالشجاعة والثبات على المبادئ والمواقف الوطنية، ويؤمن إيماناً كاملاً لا شائبة فيه بضرورة استقلال القضاء وسيادة حكم القانون.

حمدوك…النزاهة والعلم ينصفانه
مثل غيره من الآلاف الذين قذف بهم النظام المباد خارج الوظيفة الحكومية تحت ستار الصالح العام، فإن الخبير الاقتصادي عبد الله حمدوك تمكن خلال ثلاثين عاماً من تطوير مقدراته واكتسب المزيد من الخبرات ليحظى باتفاق واجماع وطني غير مسبوق، ليأتيه منصب رئيس الوزراء طايعاً مختاراً. وحمدوك هو الأمين العام السابق للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، وعملَ خبيراً اقتصادياً وخبيراً في مجال اصلاح القطاع العام والحوكمة، والاندماج الإقليمي وإدارة الموارد وإدارة الأنظمة الديمقراطية والمساعدة الانتخابية. وحاصلَ على ماجستير ودكتوراة في علم الاقتصاد من كلية الدراسات الاقتصادية بجامعة مانشستر فِي المملكة المتحدة.

وعمل (حمدوك) في وزارة المالية بالسودان في منصب كبير المسؤولين في الفترة من 1981 حتى 1987، وبعدها عمل في شركة مستشارين خاصة في زيمبابوي حتى عام 1995، ومن ثم مستشاراً في منظمة العمل الدولية في زيمبابوي حتى عام 1997. وعُين في بنك التنمية الإفريقي في ساحل العاج حتى عام 2001، وبعدها انضم للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للامم المتحدة في أديس أبابا في عدة مواقع حتى أصبح نائب الأمين التنفيذي.

وفي الفترة من 2003 حتى 2008م، عمل حمدوك في المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (IDEA) بصفته مديراً إقليمياً لإفريقياً والشرق الأوسط..

وشغل منصب كبير الاقتصاديين ونائب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا منذ عام 2011.. وفي عام 2016م تم تعيينه من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، حينئذٍ بان كي مون في منصب القائم بأعمال الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا، وتسلم منصبه في الأول من نوفمبر.
كما خدم حمدوك في المعهد الدولي كمدير الإقليمي لأفريقيا والشرق الأوسط من عام 2003م الى 2008م.
وقاد قبل ذلك أنشطة اللجنة المكلفة بإدارة ووضع السياسات، و (نيباد) والتكامل الإقليمي والحكامة والإدارة العمومية من 2008— 2003م.
وفي عام 2018م تم ترشيحه لتولي منصب وزير المالية في التشكيل الوزاري برئاسة معتز موسى، ولكنه اعتذر عن قبول تكليفه بمنصب وزير المالية، بحسب (أخبار السودان).

مشوار شاق:
وحول مهمة حمدوك يشير الخبير الاقتصادي الحسين اسماعيل ابو جنة الى ان اختياره يبدو خبراً سعيداً ومفرحاً على خلفية تداعيات ثورة ديسمبر2018 التي Çقتلعت نظام البشير الذي سقط نهائياً يوم الجمعة المباركة 12 ٲبريل سنة 2019م، ويضيف ابو جنة في حديث لـ (الإنتباهة) قائلاً: رغم فداحة الثمن الذي دفعه شباب الثورة كان التغيير في حد ذاته حدثاً سعيداً وجديراً بالاحتفاء والتوثيق له، وعقب التغيير وازالة الانقاذ من المشهد السياسي نشأت تعقيدات سياسية وتحديات Çقتصادية شكلت عقبات ومتاريس على مجري نهر السلطة في السودان، كانت شديدة الوطأة والتأثير السالب على منظومة الاقتصاد القومي وعلى معاش المواطن في السودان.. ورغم كل شيء صبر الناس على ٲمل ٲن الشمس سوف تشرق من جديد، ولكن خاب فألهم فمازالت شمس رغد الحياة في السودان تتوارى خلف سحب داكنة من سوء التقديرات والظن والشكوك والمماحكات بين فرقاء السياسة، وفي مثل هذه الاجواء الضبابية تتشكل الحكومة، ويبرز Çسم الدكتور حمدوك مرشحا لتولي حقيبة رئاسة الوزارة.

وتكثر التخمينات وعمليات الرجم بالغيب بشأن إحتمالات نجاح الرجل من عدمها.. وبما ان كل شيء وارد ومتوقع في عالم ممارسة السياسة في السودان، دعونا نتأمل فرص نجاح الرجل الذي ضجت به الاسافير شهوراً عدداً، فمن الناحية الاكاديمية مضافة اليها الخبرة العملية المتخصصة في ادارة الموارد الاقتصادية للدولة تبدو فرص نجاح الرجل كبيرة وبلا حدود. ولكن في افريقيا ليست الاشياء هي الاشياء لعدة اعتبارات اجتماعية وديموغرافية وسياسية وثقافية واقتصادية كلها مجتمعة تلقي بظلالها على المشهد العام. وفي هذه الجزئية ستواجه سفينة حمدوك (اقصد حكومته) حزمة من التحديات سوف تشكل عبئاً ثقيلاً على حمولة مركبته، وبقليل من التدبر والتأمل نجد ان ٲخطر التحديات قبل المعيقات تتمثل في مماحكات الدولة العميقة التي تصر على مقاومة شرسة لارباك المشهد العام.. مضافاً اليها خراب وتشوهات ضربت الخدمة المدنية واقعدتها تماماً فصارت بلا فعالية.. وحتى شكاوى الهامش باتت تشكل ضغوطاً هائلة على طاولة السلطة، مما يتطلب معالجات انية لهدهدة بكائهم المستمر.. ومن ناحية وجود تجاذبات سياسية من خلال الصراع على السلطة بمعايير الجهوية والقبلية والمناطقية سوف تكون غصة مرة في حلق متخذ القرار.. والمؤسف ان غياب حمدوك عن السودان ولفترة طويلة سوف يضيف اعباءً اضافية تخصم من قدرته على استثمار الوقت في معالجة الكثير من القضايا.

ورغم كل ذلك يمكن للرجل ان يعبر اذا ما احسن الاختيار في تكليف وزراء من اصحاب الكفاءات والخبرات التنفيذية الممتازة المشهود لها بالاستقامة والايثار والتفاني في خدمة الوطن بمفهومه ومعناه الكبير، بعيداً عن الانكفاءات الضيقة والمجاملات الفارغة المحتوى والمضمون.
مولانا عبد القادر…استقالة الشرف
ظلت الاستقالة التي تقدم بها مولانا عبد القادر محمد احمد قبل ثلاثين عاماً من منصبه قاضياً مضرباً للمثل، حينما يأتي الحديث عن الغيرة على المهنية والحرص على العدالة، فالرجل الذي بات اعتباراً من أمس رئيساً للقضاء اختار الابتعاد عن منصبه بدلاً من الصمت، وهو يرى العدالة يتم ذبحها على قارعة الطريق بداعي التمكين، وكتب في خطاب استقالته الذي كان موجهاً للرئيس المعزول:

(ارجو فى البداية أن أؤكد لكم يا سيادة الرئيس أننى لا اخاطبكم من باب اختلاق البطولات، فنحن نعيش فى وطن كلهم أبطال، ولا اخاطبكم مدعياً الشجاعة فهذه يفترض أن تكون من شروط تولى القضاء، ولا اخاطبكم من باب المشاركة فى العمل السياسى فأنا أؤمن ايماناً مطلقاً بأن من يختار العمل فى سلك القضاء ينبغى عليه أن ينأى عن الخوض فى أمور السياسة.

أننى أخاطبكم يا سيادة الرئيس فى امر من الامور التى أصبح السكوت عليها فيه احتقار لشخصى كقاضٍ تقع عليه التزامات مهنية واخلاقية، وقد نهى الرسول (ص) عن احتقار النفس بقوله: (لا يحقرن أحدكم نفسه.. بأن يرى امراً لله فيه مقال فلا يقولن فيه).
لقد وقع منكم ظلم يا سيادة الرئيس والظلم أمر لله فيه مقال، وبالتالى لا بد أن نقول فيه انقياداً لما قرره رسول البشرية وما أكده من بعده الفاروق بقولته الشهيرة: (لا خير فينا ان لم نقل كلمة الحق للحكام ولا خير للحكام اذا لم يقبلوها ولا نجاة للجماعة الا بذلك).
لقد اصبح قدرنا منذ ان رضينا العمل فى القضاء أن نرقب ما يدور فى بلادنا على المسرح السياسى العام فى صمت وتجرد لا نجهر فى وجه الحكام بكلمة الحق الا في ما يمس امور السلطة القضائية، قناعتنا فى ذلك ان استقلال القضاء لن يتحقق ما لم ينأ القضاة انفسهم عن الخوض فى شؤون سلطات الدولة الاخرى، آملين أن يسود مبدأ المعاملة بالمثل بين سلطات الدولة الثلاث. ولكن اتضح لنا جلياً انكم يا سيادة الرئيس ومنذ قدومكم للسلطة فى 30/6/1989 قد بادرتم بخرق هذا المبدأ بتدخلكم الصريح فى شؤون السلطة القضائية، تدخلاً افقدها استقلالها وسلبها كرامتها واقعدها عن اداء دورها المنوط بها).

مهام جسام:
يؤكد القانوني المخضرم نبيل اديب لـ (الإنتباهة) ان اللذين تم اختيارهما لشغل منصبي النائب العام ورئيس القضاء يملكان القدرة الكاملة التي تساعدهما على اداء مهامهما، معتبراً المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد قد تلقي عليهما اعباءً كبيرة لإصلاح الواقع.

إعداد: القسم السياسي
الخرطوم (صحيفة الانتباهة)



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *