لم تظهر أمامي علامة في السماء ، ولم أتلق وحيا ، و لمألهم الحقيقة في لحظة معينة ، ولكنها الاف المكايدات والمؤامرات وألاف المشاهد والسلوكيات وألاف اللحظات المنسية تجمعت لتثير في نفسي ذلك الغضب وروح التمرد والرغبة في مناهضة نظام البشير المخلوع ، لم أتخيل بأنني يوما سأجلس وأتفق مع صلاح قوش ونتفاكر حول كيفية إزالة أمبراطورية( البشير) لكنها اللحظة والفرصة عندما تأتي ، تأتي مرة ولا تتكرر لذلك بكل يسر وجدت نفسي في تيار لم أجد بدا من الإنطلاق فيه .
كنا نلتقي من وقت لأخر في ظروف بالغة التعقيد والحذر من شكوك و ريبة خاصة بأن( قوش) هو نفسه ( قوش) الذي كنا نسمع عنه منذ الصغر قصصا و روايات و إنطباع الشعب السوداني عنه او عن المؤسسة التي يديرها معلوم و معروف .
لكن بمرور الوقت و سمو الأهداف و بعد أن أتسعت الدائرة و أزيل عامل عدم الثقة أصبحت أطمئن شيئا فشيئا ، و أصبحت أشفق على ( قوش) من إنكشاف أمره و حينها يكون قد ضاعت لنا فرصة تغيير النظام بدون نقطة دم.
و كلما مرت أزمة او موجة سياسية عاتية تجاوزها ( قوش) بإحترافية عالية دون أن يشعر أحد بتدبيره و تخطيطه لتغيير نظام البشير وفق خطة اعديناها مسبقا سميت بالخطة (أ) (و لا نريد أن نفصل فيها في هذه المساحة)..متضمنة فقرة التغيير بدون نقطة دم وقتها كان صلاح قوش ، قوي العزيمة معتدلا و عمليا و صادقا معنا في في العمل معا ..(لنخلص الشعب السوداني من إستبداد دام 30 عام بدون نقطة دم )، لم يكن يفقد السيطرة على نفسه عند الأزمات ، كان يلوذ بالصمت عندما يفزع الأخرون .. كان مؤمنا بأن خططنا و أفكارنا و تماسكنا و صدقنا هو أداة التغيير السياسي و الإجتماعي في السودان ، كان يردد دائما ..بأنكم في ظل هذه الخطة و الرؤية و صدق النوايا … أصبحتم محضن أمال السودانيين و طموحاتهم .. و قال ذات مرة ، غالبا ما تعرف (بضم التاء) الرؤى و الخطط من خلال الأشخاص القائمين عليه ، و تبين لي ذلك منذ بداية تلاحمنا لأجل فكرة عظيمة و هدف نبيل سنتركها للتاريخ و الشعب السوداني لتقييمها و للأجيال ( جيلكم يا محمد ) هكذا قالها مداعبا .
و أعقبها بحديث مقتضب عن السودان …جاء في ثناياها … ( أن على شباب السودان أن يثبتوا وجودهم و يستعيدوا حقوقهم … كان واضحا أنه يمقت عقدة النقص التي يشعر بها بعضا من الشباب و ندد بما سماه عبادة الأفكار الغربية و تأليهها ….و أكد على أن الشعور بالنقص هو العائق الأكبر أمام أي ثورة خالية من الدماء و المحفز الأوحد لأي نظام فاسد و متسلط لأن يبقى ، و قالها للمرة الثانية يا محمد (و ما ذلت اتذكرها و كأنها اللحظة) أي قطرة دم أو فتنة تحدث في هذا البلد ستكون النهاية المؤلمة لدولتنا هذه أنتهى حديثه .
فهمت من خلال أشاراته هذه …ينبغي ترتيب الشباب وفق رؤية قومية لإمتصاص المد القبلي او الجهوي او الحزبي او الفكري و تحسين صورتهم عن أنفسهم في أذهانهم قبل أن يبادروا إلى تنظيم العمل الثوري الناجح .. كانت دعوته واضحة … الإعتماد على النفس و قيادة الحراك الثوري تحت المظلة ( القومية) لضمان التحول و التغيير بدون نقطة دم في ظل الإصطفاف الحزبي و الفكري و الجهوي و الأثني .
هنا قلت له .. و الحديث لشخصي كاتب هذه السطور .. أن هنالك روحا جديدة بدأت تسري بين صفوف شباب السودان كما بدات الفوارق العرقية و الجهوية و الحزبية و الفكرية تذوب و تندثر مما جعل الشباب – رجالا و نساءا – يعتبرون أنفسهم سودانيون قبل كل شيء و بدأ المد القبلي و الجهوي يتراجع و أضحى منبوذا من قبل كثير من الشباب و تراجعت كل الأصوات التي كانت تنادي بالقبلية و الجهوية (العنصرية) إلا قلة قليلة مرضى يدعون إلى ذلك في إستحياء و هي غير مؤثرة … أنتهى حديثي .
هنا تداخل( قوش ) قال فقد أختبرت (بضم الخاء) القومية في كفاح الشعوب و بين لهيب نيران المعارك و ثبت أنها العلاج الوحيد ضد التسلط و التجبر و الإستعمار الحديث ، و لهذا السبب تسعى بعض المجموعات العالمية و الإقليمية محمومة و بكل ما لديها من قوة لإحباط جميع التيارات القومية و القضاء عليها و تمزيق السودان و شعبه إلى دويلات و قد رصدت لهذا الهدف أموالا طائلة تنفق على الدعاية ضد القومية … و هناك من أبناء السودان من إنساق وراء هذه الدعاية الخبيثة ، فأصبحوا هم أنفسهم نتيجة لتلك الدعاية أدوات لتلك (الجهات و المجموعات ) .. نريد تجنب هولاء في مرحلة التغيير القادمة و في مرحلة تنفيذ خطتنا …. لمست كلماته وترا حساسا في أعماقي و عدت بالذاكرة إلى الوراء و أدركت بأن هنالك مراحل و محطات في حياتي كانت سرابا من سراب .. حينها أصبحت مقتنعا و أكثر ثقة و تمسكا بأهداف رؤية التغيير مثله ( قوش) بأن العلاج الناجع الوحيد لنخلص الشعب السوداني من إستبداد دام (30) عام بدون نقطة دم، و هو التغيير تحت مظلة ( القومية).
باب مغلق :-
أعجبت أيما إعجاب بالخطة التي أعدها( قوش ) المتعلقة بدور (حميدتي ) بعد التغيير حتى مرحلة نيله جائزة نوبل للسلام.. ليتحول بدوره من رجل حرب إلى رمز من رموز السلام و التسامح و إيقونة من إيقونات التغيير و بطلا من أبطال السودان نفاخر به الأمم …و ليس من غربه او هامشه …. حدث التغيير و تحول الفريق ( دقلو) من عدو للثورة إلى إيقونة من إيقونات الثورة و التغيير … و ما زلت في إنتظار نيله لجائزة نوبل للسلام هنا كانت الحلقة المفقودة .
بقلم / محمد علي محمد
