رأي ومقالات

صرخة تجميد حزب الأمة


أصدر حزب الأمة القومي بيانا أعلن فيه تجميد نشاطه في قوى الحرية والتغيير لمدة أسبوعين احتجاجا على جملة من المشاكل التي يعاني منها جسم قوى الحرية والتغيير الحاكم ، ويمثل هذا البيان جرس إنذار نهائي أمام قحت وامام الحكومة الانتقالية لاستعدال الوضع المائل داخل كابينة القيادة وإجراء الإصلاحات العاجلة لطريقة التعامل مع قضايا الفترة الانتقالية .
لا يمكن التعامل مع بيان حزب الأمة القومي بانصرافية ، فهو بيان من أكبر الأحزاب السياسية في السودان ، الحزب الوحيد الذي حكم السودان ثلاث مرات بانتخابات حرة مباشرة ، والحزب التاريخي الوحيد الذي لم يشارك الإنقاذ ، وضع الاعتبار لبيانات حزب بهذا الحجم هو شيء بديهي ، فهذا الحزب لو كان حزبا انقلابيا كالأحزاب اليمنية واليسارية لما حكم معه السودان احد ، ولكنه ظل تاريخيا حزبا ملتزما بالسلمية ومؤمنا بالعمل الديمقراطي لا يصل إلى السلطة الا عبر الانتخابات الحرة النزيهه ، وحتى في هذه الفترة الانتقالية كان حزب الأمة اول الأحزاب السياسية القليلة التي أعلنت في بيان صريح عدم مشاركتها في الحكومة الانتقالية وأقرنت القول بالفعل ولم يقدم الحزب أي عضو سواء في مجلس السيادة او مجلس الوزراء ، والذين يحسبون على الحزب لم يرشحهم الحزب بل جاءوا عبر ترشيحات من مكونات أخرى او عبر اختيار الكفاءة المستقلة . لذلك لا يمكن التعامل مع بيان هذا الحزب بمزايدة واعتباره بحث عن مكاسب حزبية ، بل هو في الأصل بحث عن مكاسب وطنية تحفظ لهذا البلد ثورته وديمقراطيته .
البيان حوى عيوب متعددة في جسد الحرية والتغيير اثرت في كل المنظومة الحاكمة وجعلت الحكومة الانتقالية مع الزمن تزداد بعدا عن هموم المواطن وعن تلبية احتياجاته وعن الإحساس بالامه ، صحيح هناك عوامل متعددة جعلت الحكومة في هذا الموقف وكنا نظنها عوامل موضوعية منتبه لها من الداخل ويعمل على تلافيها ، ولكن ما أظهره بيان حزب الأمة القومي بالأمس كان خلاف ذلك ، ومن المؤسف أن يشير البيان الى ان العامل الأهم في هذه المشاكل هو غياب الهارموني بين المكونات نتيجة للمحاصصات والمواقف الحزبية الضيقة ! وبما انها شهادة حزب من داخل المكونات فلابد ان يعتد بها وتحمل محمل الجد .
إنسان الشارع العادي وصل للقناعة بفشل الحكومة الانتقالية الراهنة منذ وقت ، ودليله الأزمات الاقتصادية الخانقة ، الناس مازالت تنام الليل بأكمله في صف الوقود والغاز والخبز ، صحيح حاول الجميع تحمل هذا الواقع دعما لمسار الثورة من منطلق أن الكيانات الحاكمة تحمل الهم وتعمل ليل نهار من اجل الوطن والمواطن ، ولكن بيان حزب الأمة القومي أظهر الحقيقة العارية بأن الأحزاب غارقة في صراعها ولا تحمل هم المواطن المسكين ، وهو بيتن أكد فشل الحكومة الانتقالية وفشل قوى الحرية والتغيير ، ولن يعجز شخص ما عن تحديد العلة التي اوردها البيان والتي تتمثل في الفسيفساء المتعددة التي تحكم الفترة الانتقالية والخلافات المتعددة في كابينة القيادة ، وسيطرة الشللية على الأجسام التي نتجت عن الثورة ، لذلك فالمواصلة في دعم السبب الرئيس في هذا الفشل هي مواصلة في الغرق ليس إلا ، وأن على الجميع ان يعمل ( قف ) لمراجعة المسار وإعادة ترتيب الكابينة قبل الطوفان .
لا يجب ان ننسى ان الشارع ثار على البشير بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة ، وها هي الأزمة الاقتصادية تطل برأسها بصورة أشد، لن يرحم الشارع الحكومة الانتقالية إذا استمرت الأزمات الاقتصادية ، لن يرحم الشارع أحد ، وربما كورونا فقط هي من تؤخر انفجاره ، لكنه انفجار متوقع في اي لحظة مالم يتم الاستماع اليوم قبل الغد لصرخة حزب الأمة القومي ولصرخات متعددة كنا نظنها مجرد صرخات شخصية صدرت من قبل من محمد عصمت ومن ابراهيم الشيخ .
لن يخسر حزب الأمة القومي شيئا حين يخرج من هذا التحالف اذا لم يستمع الجميع له ، فهو عاش ثلاثين سنة خارج نظام الإنقاذ الشمولي ، في الوقت الذي شاركه الجميع ، لن يخسر الحزب جماهيره التي ظلت بعد كل شمولية تأتي به في المرتبة الأولى عبر صندوق الانتخابات الحرة ، ولكن البلاد ستخسر صوتا متوازنا لا يميل مع الرياح ولا ينحني لجلاد، صوت ظل على الدوام قريبا من الحقيقة بعيدا عن الظلام ، وفقدانه لا يعني سوى انهيار الفترة الانتقالية ، فهل في قحت من رشيد ؟!
يوسف السندي
sondy25@gmail.com



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *