النيلين
مقالات متنوعة

شهداء العشر الأواخر


ونحن نودع خواتيم الشهر الفضيل تمر علينا ذكرى شهداء رمضان، هؤلاء الذين اقتنصتهم بندقية الغدر أمام باب الحارس مالنا ودمنا، وأولئك الضباط الأحرار الذين أرادوا تخليص الأمة من أذى الهوس الديني وهو ما يزال في مرحلة انطلاقته الأولى والباكرة (اليرقة)، فلهم جميعهم الرحمة والمغفرة ببركات هذه الأيام المقدسات، وكما هو معلوم من ديننا الحنيف بالضرورة أن شهر رمضان مصنف ضمن الشهور المحرم فيها سفك الدماء، لكن المتأسلمين الذين لم يرعووا ولم يردعهم رادع ولم يراعوا لله إلّاً ولا ذمة، قتلوا الأطهار الأخيار والأتقياء الأنقياء الأبرار بدم بارد في هذا الشهر العظيم، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا نقول إلا ما يرضي الله، و ليس ما يرضي المهووسين وتجار الدين من القتلة و المأفونين.

شاهدت برنامجاً توثيقياً لأسرى حركة الخلاص الوطني الذين أعدمهم نظام الدكتاتور، في أبريل من لعام 1990م الموافق لرمضان ذات السنة الهجرية، والذي بثته قناة العربية قبل عدة أشهر، لقد رأيت فيه ولأول مرة تفاصيل تلك المأساة الكبرى في الأعين الدامعة لأمهات وزوجات وشقيقات وآباء أولئك الفتية الذين آمنوا بقضية شعبهم فزادهم الله يقيناً وثباتاً، وأكثر ما أحزنني وعكّر صفو مزاجي هو حديث أكرم أكرم، الإبن الذي كان في بطن أمه عندما تم أعدام أبيه الرائد أكرم، أحد المشاركين في العملية الوطنية التي حاولت تخليص الوطن من أنياب الشر.

أكرم أقتص لأبيه الأكرم بأن شارك رفاق دربه في يوم القيامة الكبرى أمام البوابة التي أعتاد أبوه لأن يدخلها شامخ الرأس، لقد كانت الجريمة جبانة وكان الفزع و الخوف يعتري الممسكين بزناد البندقية الغادرة، مثل ارتعاب الضباع التي تهرع لمجرد رؤية أسد هصور يحوم حول الحمى، ومن فرط استعجال وارتجاف أصابع هؤلاء الرعديدين وهم يقبضون على (التتك)، أنهم اطلقوا النار على ضحاياهم والأغلال مازالت مضروبة على أيديهم و السلاسل مقيدة لحركة أرجلهم، ذات الطريقة التي صفوا بها الأسير بولاد، متجاهلين وجاهلين بمنهاج رسولنا الكريم الذي كان يوصي فرسانه بأن لا يقتلوا أسيراً ولا جريحاً و لا أمرأة و لا طفل و لا شيخ مسن.

من وفرة حظ شهداء حركة رمضان وحسن طالع الثوار الذين جندلتهم أيادي كتائب الظل ورمت بجثامينهم في النهر، أنهم استبسلوا في عمق مركز الأضواء حيث الخيوط الموصلة إلى مرتكب الجناية، و الكاميرات المصورة للحدث المأساوي و شهود العيان الذين تكتظ بهم ساحات المحاكم، لكن صدقوني هنالك مئات الآلاف من الشهداء الذين تطايرت أشلاء جثثهم في الهواء، وأصبحت حبات من ذرات أجساد آدمية تذروها الرياح على سفوح جبال مرة والنوبة والأنقسنا، في شهور رمضانية عديدة مرت تحت جسرها مياه كثيرة تخللتها الشوائب والطحالب التي حجبت عنها الرؤية.

فليكن شهر رمضان الكريم موعداً سنوياً للاحتفال بشهداء السودان، من كل الأطياف والألوان و من مختلف الأماكن والأزمان، لأن كل الطغاة الذين جثموا على صدر هذا الوطن الممحون، قصدوا أن يسفكوا دماء ابنائه في هذا الشهر المحرم، بل وفي أكثر أيامه حرمة (العشر الأواخر)، لقد نجح الموتورون و المهووسون في أن يجعلوه شهراً للأحزان بدلاً من أن يعملوا فيه بالتقرب إلى رب الكون بالطاعات و الإيمان.

فها نحن نستقبل خاتمة هذا الشهر الفضيل, وما تزال لجنة نبيل أديب تمارس الزحف السلحفائي تماهياً مع أجندات الخضر الزاحفين، ما هي مخرجات هذه اللجنة التي قبضت على أهم الملفات حساسية؟، ملفات متعلقة بأرواح بريئة أزهقت، لقد عاش الشعب السوداني في مثل هذه الأيام من العام الماضي تحضيرات وتجهيزات لأعظم صلاة عيد يمكن أن تمر على تاريخ البلاد القديم والحديث، لكن يد الغدر امتدت لأولئك البسطاء الذين لا يعلمون شيئاً عن غدر الساسة الملاعين، الذين يتبسمون في وجوههم ابتسامات بلاستيكية صفراء آلاء النهار، وفي أطراف الليل يجالسون و يسامرون ويغازلون من يضمر للشباب الثائر الشر، ويسعى بكل ما أوتي من خبث ليزهق هذه الأرواح البريئة، فيا نبيل كن نبيلاً ولا تجعل هذه المناسبة العظيمة تمر دون أن تعلن عن اسم ذلك القاتل الغادر المتدثر برداء الليل البهيم، الذي زحف مختبئاً تحت ستار الظلام و ارتكب تلك الفظيعة النكراء.

إسماعيل عبد الله

الراكوبة

تعليقات فيسبوك
شارك الموضوع :


اترك تعليقا