تحقيقات وتقارير

توعدهم بعقوبات قاسية .. (حميدتي) و(تجار العملة) .. من ينتصر في معركة كسر العظم؟


إنذار شديد اللهجة وجهه رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية، النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الفريق حميدتي لتجار العملة، حيث وعد بإنزال اقسى العقوبات عليهم، بجانب تقديمهم للشارع السوداني لمحاسبتهم، فضلاً عن سن قوانين رادعة لكل من يُهرب الذهب عبر مطار الخرطوم أو الحدود بعد فتح صادر الذهب، وأقسم حميدتي قائلا ” والله ما بنخليك لو تاجرت في الدولار ولو بمائة دولار ولن نغطي على أحد، وأضاف: لن نسمح لنافذ بالمضاربة، وكان غلبنا بنكلم الشعب السوداني وبنقول ليه دا السرقكم، وطالب المواطنين بالتبليغ عن تجار الدولار لأجل إنزال أسعار العملات، ووصف حميدتي خلال تصريحات صحفية الدولار بأنه العدو الأول وقال: حنمشي نتصارع مع الدولار، مؤكدا في ذات الوقت أن الزيادة الأخيرة في مرتبات العاملين مجزية، لكنها لا تساوي شيئًا حال استمرار ارتفاع اسعار الدولار، فيما قلل مراقبون من تصريحات الرجل باعتبارها إجراءات إدارية وأمنية ولا تجد لها سنداً في نظريات الاقتصاد، مؤكدين في ذات الوقت أن المعالجات الامنية فشلت في حل مشكلة انهيار الجنيه أمام الدولار، لجهة أن ندرة العملات الصعبة سببها تدني الانتاج والانتاجية، واصفين خطوته نحو محاربة لتجار العملة بالأدوية المسكنة والتي تخفف الوجع ولا تزيله.

إجراءات حاسمة

وفي موضوع ذي صلة، أقر رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية، نائب رئيس المجلس السيادي، الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بوجود ارتفاع كبير في سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني، وقال إن هذا الارتفاع جاء بعد شهرين من الاستقرار، وتوعد (حميدتي) بإنزال عقوبات قاسية على تجار العملة ومن أسماهم بـ”النافذين” وذلك في أعقاب استمرار التراجع المريع للجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، وكانت اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية عقدت اجتماعا الثلاثاء الماضي بقاعة الصداقة، ناقشت من خلاله الوضع الاقتصادي المأزوم في البلاد ، وأقر الاجتماع تكوين محفظة للسلع الاستراتيجية، في محاولة من اللجنة للحد من الانفلات في الأسواق وتخفيف حدة الأزمات المتطاولة، واقترحت اللجنة مشاركة الخبراء ورجال الأعمال في المحفظة.
وقال حميدتي في تصريحات عقب الاجتماع إن الدولار هو العدو الأول ولا مجاملة فيه بعد اليوم، وندعو الجميع لمساعدتنا، وشدد على عدم التراجع للوراء مرة أخرى، وأن الحساب سيطال حتى النافذين الذين يتعاملون في تجارة العملة، وتابع: لن يتم التغطية على أحد و زيادة الأجور الأخيرة مجزية لكنها لن تكون كذلك حال استمرار ارتفاع الدولار، و أعلن حميدتي بدء تصدير الذهب عبر مطار الخرطوم اعتبارا من امس الاربعاء وذلك بعد الاتفاق على منشور وضوابط محددة، وقال إن أي عائد صادر يجب أن يدخل إلى خزينة بنك السودان المركزي للمساعدة فى خفض سعر الصرف، ورأى حميدتي أن المحفظة الاستراتيجية، التي سيتم الإعلان رسميا عنها يوم السبت تمثل اضافة حقيقية لحكومة الثورة وأضاف: جئنا من أجل الشعب ولم نأت لتلميع أي شخص أو حزب، والديمقراطية سنأتي بها نحن بزينا العسكري.. ولن نسمح بالتلاعب في صناديق الانتخاب.

بشريات حمدوك

في ذات السياق أعلن رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك، أن محفظة السلع الاستراتيجية ستباشر مهامها رسميا يوم الأحد، وتوقع أن تسهم في استقرار سعر الصرف وتوفير السلع الاستراتيجية بصورة منتظمة، ومعالجة الصفوف وإنهاء المعاناة وحل مشكلة الصادرات بتوفير النقد الاجنبي او المحلي، إضافة لمعالجة سلع الوارد والتي تشمل المحروقات – القمح – الدواء إلى جانب سلع الصادر بينها الصمغ العربي -الذهب -الثروة الحيوانية.
من جانبه قال نائب محافظ بك السودان المركزي محمد البشرى إن اللجنة ناقشت مسودة منشور لتنظيم تصدير الذهب المنتج بواسطة التعدين التقليدي وذهب الشركات، وألغى المنشور الضوابط السابقة بشأن تصدير الذهب، واستعاض عنها بأخرى أعطت الحرية لمصدري الذهب وتمكينهم من التصدير بعد إغلاق كافة المنافذ أمام تهريب الذهب الذي قال إنه أفقد البلاد عوائد كبيرة بالنقد الأجنبي، وسمح بتصدير الذهب بواسطة اي جهة أو شخص بعد استيفاء الضوابط والإجراءات المطلوبة من الجهات المعنية، كما سمح بأن تكون عمليات صادر الذهب الحر وذهب مخلفات التعدين بطريقه الدفع المقدم فقط، وأباح تصدير الذهب الحر وذهب مخلفات شركات التعدين سواء كان خام أو مصفى، وحظر المنشور التصدير بواسطة الجهات الحكومية والأجانب سواء كانوا أفراد أو شركات واستثنى فقط شركات الامتياز المملوكة للأجانب، والتي تعمل في مجال تعدين الذهب على أن يكون الحد الأدنى لصادر الذهب المسموح به 10 كيلو من الذهب المصفى، كما حصر المنشور دور بنك السودان المركزي في شراء الذهب فقط لغرض بناء احتياطيات عينية وان يكون الشراء بواسطة البنك من سوق الذهب مباشرة.

فلاش باك

بالرجوع لتهديدات الفريق حميدتي لتجار العملة، لم تكن الأولى من نوعها إذ سبق لرئيس اللجنة الاقتصادية للطوارئ الفريق محمد حمدان دقلو، أن هدد تجار العملة حيث وعد بحسم المضاربين في العملات الأجنبية ومهربي الذهب والسلع، وطالبهم بالتحلي بروح المسؤولية والوطنية، وقال «دقلو» عقب تسميته رئيساً للجنة الطوارئ الاقتصادية إن تجاوز التحديات والظروف المعيشية التي تواجه المواطنين، يتطلب تضافر الجهود الشعبية ونبذ الجهوية والعنصرية، وتعهد حميدتي وقتها بحل الضائقة المعيشية، ووضع كيفيات لتوفير السلع الاستراتيجية، ومحاربة تجار العملة، وشهدت أسعار صرف العملات الأجنبية وقتها تراجعاً نسبياً خلال التعاملات، وذلك بسب مخاوف التجار من الوضع المقبل للعملة المحلية خصوصاً مع اعلان عودة حميدتي إلى رئاسة اللجنة الاقتصادية، والذي بدوره شن وقتها حملات ومداهمات واسعة لتجار العملة في السوق العربي.

الشاهد أن اسعار الدولار الآن في السوق السوداء وصلت حدوداً غير مسبوقة وزيادات غير مبررة، حيث سجل سعر صرف الدولار أمس الاربعاء 151 جنيها وهو رقم قياسي غير مسبوق، وذلك بعد أن استقر خلال الأسابيع الثمانية الماضية عند 131 جنيه، وارجع متعاملون في السوق السوداء سبب زيادة الدولار إلى الندرة التي تشهدها العملة الاجنبية، بجانب الاوضاع الصحية التي تشهدها البلاد والتي ألقت بظلالها السالبة على الاوضاع الاقتصادية .

هل سينجح حميدتي؟

في رده على سؤال (الجريدة) حول مدى قدرة الفريق حميدتي، التصدي لتجار العملة قال الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي: عملياً كل المعالجات الأمنية والشرطية فشلت في حل مشكلة انهيار الجنيه أمام الدولار، نظرا لندرة العملات الصعبة بسبب تدني الانتاج، واصفا في ذات الوقت محاربة تجار العملة بهذه الطريقة، بالادوية المسكنة والتي قال عنها تخفف الوجع، بيد أنها لا تلغيه، فمسألة محاربة تجار العملة في نظر فتحي هي اقتصادية بحتة والحل يكون اقتصاديا، وذلك عن طريق تحديد سعر الصرف للدولار والذي يعتمد على آلية السوق، المتمثلة في الطلب والعرض فالآن الطلب على الدولار في ارتفاع، بجانب أن يكون هنالك ودائع واستثمارات حكومية من الدول الصديقة والتي بدورها تعزز من مكاسب العملة الوطنية، وذلك بارتفاع الاحتياطي من النقد الأجنبي نتيجة للتدفقات من العملة الأجنبية عبر النظام المصرفي، ويمضي فتحي قائلاً: كذلك محاربة تجار العملة تكون عن طريق زيادة الصادرات في السوق العالمي والتحول من دولة مستهلكة إلى منتجة، كما أن حدوث العكس يؤدي إلى ارتفاع الدولار.

لماذا الارتفاع في الدولار؟

يقول هيثم فتحي: المتاجرة والمضاربة في العملة، ليست السبب الرئيسي لارتفاع الدولار وانخفاض سعر الجنيه السوداني، بل الأمر يرجع للانخفاض المستمر والمتواصل لسعر الجنيه السوداني والذي يدفع الناس لاستبدال أموالهم بالدولار حتى تحفظ قيمتها، مضيفاً: الإقبال الحالي على الدولار لحفظ قيمة مدخرات المواطن يماثلها اتجاه بعض المواطنين لحفظ قيمة نقودهم بشراء الأراضي، فارتفاع الدولار وكذلك قيمة الأراضي دليل على هذا الاتجاه، وتابع: هناك فرق في الطلب وما هو متاح فعلا من عملة صعبة يأتي نتيجة انخفاض الصادر وتعثر تحويلات المغتربين بسبب جائحة كورونا وزيادة الطلب من أجل شراء مدخلات الإنتاج ودقيق الخبز والأغراض الأخرى، مشددا في ذات الوقت على ضرورة معالجة هذه الفروق باعتبارها ستزيد من عملية التضخم، وطالب فتحي الحكومة بضرورة القضاء على العجز في الموازنة الداخلية، وإيقاف الصرف غير ذي العائد واتخاذ خطوات سياسية تؤدي للتوافق والوفاق السياسي، ومعالجة الحروب وعدم الاستقرار والعمل على زيادة الإنتاج وتنشيط القطاعات الإنتاجية خاصة القطاع الزراعي .

خطوة سالبة

خلال تصريحات خاصة لصحيفة (الجريدة) وصف عضو اللجنة الاقتصادية بقوى الحرية والتغيير كمال كرار إجراءات الفريق حميدتي حول محاربته لتجار العملة بـ(العادية)، مقللا من الخطوة لجهة أنها تعد أجراءات امنية وادارية وليس لها علاقة بنظريات الاقتصاد، قاطعا بأن مثل هذه الإجراءات لن تحل المشكلة الاقتصادية لجهة أنها تعالج النتائج فقط، ولا تعالج الأسباب الحقيقية لارتفاع الدولار، وأرجع كرار اسباب ارتفاع الدولار المتصاعد إلى الطلب العالي في الدولار، حيث بعد هذا الطلب يقول كرار لم تقلص الواردات ولم يتم ترشيدها، بجانب قرارات اتخذت من الحكومة البائدة والحكومة الحالية، وهي السماح للشركات بالمتاجرة في الدولار من السوق الأسود وبيعه للبنك المركزي، الأمر الذي زاد من طلب الدولار والمنافسة عليه، بجانب هذه الاسباب قال كرار هنالك اسباب اخرى لوحت الحكومة باتخاذها وادت إلى ارتفاع الدولار وهي بحسب كمال، تعويم العملة الوطنية، الأمر الذي قاد التجار للمضاربة بالدولار، مؤكدا أنها اجراءات مضرة أدت إلى ارتفاع الاسعار، مطالبا في ذات الوقت بضرورة إنشاء بورصة للذهب، وقلل كرار من الاجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة وهي السماح بتصدير الذهب عبر مطار الخرطوم من قبل المصدرين، حيث قال عنها: هو السماح لمهريبين الذهب وأمام أعين الحكومة بتهريب الذهب، حيث اعطتهم الضوء الأخضر للتهريب بهذه الطريقة واصفا الخطوة بـ (الماكويسة) وأن ذات الخطوة تلقي بظلالها السالب على الاقتصاد وتزيد من ارتفاع الأسعار .

أحمد جبارة
صحيفة الجريدة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *