النيلين
مقالات متنوعة

الزراعة السودانية ومشاكلها ومناهج العلوم الزراعية بالكليات (2)


في الحلقة الأولي انتهينا بالأسئلة أدناه:

هل تقبع مشكلتنا في (التخطيط) للمستقبل؟ أم في مقدرتنا على توفير( العملات الصعبة) لاستيراد التقانات الانتاجية؟ أم في (مقدراتنا التصنيعية) وتطبيق العلم في الصناعة (يعني منظراتية ساااكت)؟ أم في ضعف (مقدرات المزارع( السوداني؟ أم في مقدرات وامكانيات (المرشد الزراعي) لنقل التقانة للمزارع ومتابعته؟ أم في (مناهجنا) التي ندرب بها الخريج الزراعي وعدم كفايتها ومواكبتها للمستجدات و مقدرته على حل المشاكل والادارة؟

نبذة تاريخية عن الزراعة في السودان
تاريخيا نعتبر نحن أبناء السودان أول الشعوب التي أسست لمفهوم (توطين) الزراعة بعد أن كان الناس يعتمدون علي جمع غذائهم من الموارد الطبيعية المتوفرة بمناطقهم حول مناطق تجمعاتهم/ سكنهم في ما يشبه القري من غابات ونباتات برية واشجار فاكهة تنمو عشوائيا وتربية واستئناس الحيوان. وبتزايد السكان وكبر حجم القري وتحولها الي أحجام مدن بمعايير ذلك الزمان (ألاف السنين)، وزيادة الطلب على المواد الغذائية، وبعد هذه المناطق التي كانوا يجمعون منها المواد الغذائية بصفة يومية عن مساكنهم فكروا في الاستزراع لمحاصيل معينه مثل الحبوب من قمح و وذرة رفيعة وشامية ودخن وبقوليات وبعض الخضروات قرب وأحيانا داخل مساكنهم مع استغلال مياه الأنهر والأمطار في المناطق الممطرة. بمرور الزمن واكتساب الخبرات بدأ أهلنا في شمال السودان (النوبيين) في الخروج الي مناطق تصلح للزراعة (تأسيس مزارع) بقرب مدن ذلك الزمن، وبدأوا في ابتداع الأفكار (حسب الحاجة) التي تساعدهم على الانتاج وتحسينه، مما نعتبره الأن أفكارا هندسية و(اخترعوا) الات زراعية مثل الطوريه والفأس والكدنكة والملود والواسوق والنجامة و المنجل والجراية ..الخ من الأدوات البسيطة، ثم المحراث من الخشب وثم طوروه الي الحديد الذي يعتمد على الثيران والحصين في تشغيله (يجب أن لا ننسي أنهم أول من استخدم الحديد في تاريخ البشرية)، و الطمبور و الشادوف والساقية (روافع وتروس وسيور)، وجداول للري في أحواض أو سرابات و مصاطب (هندسة زراعية : مساحة، ميكنة، وري)، ولجأوا البعض المواد الطبيعية لمكافحة الآفات مثل الرماد والزيوت البترولية والقطران ..الخ (وقاية نبات). بمرور الزمن عرفوا كيفية انتخاب السلالات ذات الصفات المرغوبة (اكثار بذور) وقاموا بإكثارها، وأسسوا الجنائن حول النيل من نخيل وموالح وغيرها (بستنة). أما من هاجروا من المنطقة بغرض الرعي فانتقلوا الى مناطق غنية بالمراعي، واسسوا بعض التجمعات والقري والفرقان في المناطق الغنية بالأمطار، خاصة في الوسط و الغرب والجنوب، واعتمدوا فيها على الزراعة المطرية في ما يشبه الحواكير حاليا لإنتاج ما يكفي كل أسرة في المناطق القريبة من مساكنهم، واكتسبوا خبرات متراكمة في هذا النوع من الزراعة وأنسب المحاصيل للموسم المطري ولنوعية التربة والمناخ، وهي طريقة زراعة تختلف اختلافا كبيرا عن تلك التي بالمناطق المروية. منهم من استقر وتوسع في المساحات (زراعة تقليدية) بغرض المقايضة أو التجارة، ومنهم من استمر في الترحال مع ماشيتهم (بقارة وأبالة وضان وماعز وخيول ..الخ) متتبعين مناطق الرعي وتوفر الماء، وقد يعودون الى مناطقهم السابقة.

كانت هذه هي المرحلة الأولي للزراعة في السودان حتي قبل تكوين السودان الحديث بحدوده الحالية و فترة المهدية. طوال تلك الفترة كانت لنا تجارة للفائض من المنتجات الزراعية والحيوانية، مستأنسة وبرية، مع عدة دول مجاورة (ومنا قد تصل الي أوروبا)، ودرب الأربعين أقرب مثال لذلك مع مصر بواسطة الجمال. ثم فترة حكم أسرة محمد على باشا لمصر وأثارها في عدة نواحي اجتماعية وثقافية وعسكرية…الخ، ثم الاستعمار الانجليزي و الحرب العالمية الأولي وبدايات الحرب العالمية الثانية التي بدأ فيهما العالم يشهد التطورات الصناعية والتكنولوجية بخطى حثيثة، ودخلت القطارات و المركبات (لواري وكوامر ولاندروفرات وشاحنات وتطوير للمونيء والمطارات) وتبعها قيام الورش وبعض الصناعات الصغيرة التي أبدع فيها الحرفي السوداني أيما ابداع في وجود بعض الخبراء من انجليز وايطاليين وأغريق وشوام ومصريين، وتم انشاء السدود مثل جبل الأولياء وسنار والروصيرص. وقام الانجليز بتأسيس مشروع الجزيرة ليروي من خزان سنار بشبكة ري تعتبر أحدى معجزات القرن العشرين لإمداد صناعاتهم بالمواد الخام، اضافة الي مشاريع الزيداب وطوكر وبعض المشاريع الصغيرة بالنيل الأبيض (طلمبات) يمتلكها بعض كبار التجار. ثم بعد الاستقلال قامت الحكومات الوطنية بتأسيس امتدادات للجزيرة وتأسيس مشاريع ضخمة أخري كحلفا والرهد والسوكي ومشاريع النيل الأبيض والنيل الأزرق ويامبيو وانزارا في الجنوب. مساحات هذه المشاريع فاقت عدة ملايين من الأفدنة المروية، اضافة الى ملايين الأفدنة للزراعة التقليدية بمناطق القضارف والنيل الأزرق وكردفان والجزيرة ودارفور، والبعض منها أدخلت علية بعض التقانات (التحديث) وقامت هيئة للزراعة المطرية ومؤسسات بها أقسام متخصصة لكل احتياجات الزراعة وكان لكل هذه المشاريع والمؤسسات مكاتب في مدن اوروبا الكبرى لتوفير احتياجاتها حسابات بالعملة الصعبة باسمها وتدار بواسطة كفاءات سودانية لها مكانتها العلمية والعملية. كان كل شيء يسير كما هو متوقع لدولة استقلت من استعمار استغلها بالكامل لتوفير احتياجاتها وبدأت تفكر في تأهيل نفسها لتصبح في مصاف الدول المتقدمة خاصة وأن الكثير من ابنائها وبناتها تلقوا تعليما متميزا في جامعتها ومعاهدها وفي مصر وابتعث العديد منهم الى الولايات المتحدة وانجلترا والدول الأوروبية للحصول على أعلى الدرجات العلمية وتميزوا وتفوقوا على اقرانهم من الدول الأخرى وعلى مواطني الدولة المانحة للدرجة نفسها. استمر الحال على هذا المنوال حتى حوالي العام 1977م وبدأ التدهور في كل شيء ولا أود أن أخوض في الأسباب والكثير منا قد عايش تلك الفترة وله تحليلاته.

الأن لدينا عدة جامعات بها كليات للهندسة بأنواعها، وكليات تقانة، وكليات علوم زراعية، وكليات بيطرة، وكليات للإنتاج الحيواني، وكليات للغابات وعدد كبير من المراكز والهيئات والمعاهد البحثية في كل ولايات السودان مكتظة بالعلماء في كل المجالات، ولهم سمعة عالمية، ولدينا مناطق صناعية أيضا بكل المدن ولدينا حرفيين على أعلى المستويات. هنالك دول انهارت بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت لا تملك أية موارد مثل التي لدينا في السابق والأن، ولا الامكانيات التي ذكرتها أعلاه، والأن هي من العشرين دولة المتقدمة عالميا. تاريخنا اعلاه يقول أننا الرواد في الزراعة والهندسة. لماذا توقفنا عن الابداع (زراعيا وصناعيا وتقنيا) رغما عن كل ما لدينا من مقوماته؟ لماذا نستورد التقانات والمدخلات(بذور، أسمدة، مبيدات، جوالات، معدات..الخ) ولا نخترع ما يناسب احتياجاتنا كما كان يفعل أجدادنا؟ لماذا نتلقى المعونات من الدول الكبرى والدول التي استقلت بعدنا ونحن من قام ببنائها؟ هذا هو السؤال، وهذا هو سبب هذه الفذلكة التاريخية المطولة. نقولها مرة أخري: اللهم نسالك اللطف (أمين).

ب/ نبيل حامد حسن بشير
الراكوبة

تعليقات فيسبوك
شارك الموضوع :


اترك تعليقا