رأي ومقالات

شهادة حق في حضرة ماجستير الرئيس


كثر اللغط والأخذ والرد والحذف والإضافة وتحويل الأقوال والأحكام عبر تناقلها من فاه إلى فاه لاسيما لدى من لا يدرون حقيقة الواقعة ولا بينة الأمر، فألقوا في ظن عموم الناس بظاهر من الأمر سيء وغير حميد وللناس أصلاً في بلادنا ميلاً تلقائياً للتسليم بسوء المحدثات والوقائع والتصديق بمسالب الأمور عن موجباتها. أعني بكل هذا ما تناقله الناس والوسائط والوسائل عن حقيقة حصول الرئيس عمر البشير على درجة الماجستير في علم الاجتماع في جامعة الجزيرة (معهد إسلام المعرفة)، والغالب منهم قد جنح إلى أن هذا أمر مدبر دون وجه استحقاق من البشير لنيلها وذلك باعتبار ظنهم أن البشير طالما أنه الرئيس وأن معهد إسلام المعرفة هو معهد النخبة الحاكمة للبلاد فما أيسر إذن أن يمنح منه هذه الدرجة العلمية الرفيعة دون كد حقيقي أو كسب يد عركت الكتابة والأوراق وأعين طال بقاؤها خلف نظارات القراءة على صفحات الكتب ليل بعد ليل وعزم ظاهر في الحضور والاستماع والالتزام بكل ما تفرضه القاعدة الجامعية الأولى ألا وهي محاضرات التلقين والتلقي.
والحق أقول – وأنا في هذا لست مجرد شاهد على واقعة دراسة الرئيس للماجستير بل ومن القائمين مباشرة وبصورة أساسية على هذا الأمر بكوني أستاذاً لأحد أهم المقررات الدراسية وأصعبها في برنامج الماجستير هذا. ولا أحسب أن تأتي شهادتي مجروحة إذ لم يعرف عني قط عضوية حزبية أو انتماء رسمي لتنظيمات الحركة الإسلامية عموماً والجبهة الإسلامية القومية (سابقاً) والمؤتمر الوطني (حالياً) على وجه الخصوص، رغم اعتدادي بالدين والعقيدة والتزامي بها على وجه الإطلاق بحمد الله تعالى – فأقول، كان ذلك في العام 2002م وكانت الدراسة للماجستير تضم بجانب الرئيس البشير عدداً مقدراً من الوزراء والمسئولين بالدولة كانوا هم الدفعة الثالثة في هذا البرنامج. وكنت أنا أستاذ مقرر (فلسفة العلوم) وهو مقرر صعب كان يستوجب الحضور دون انقطاع والانتباه بكامل الذهن. وأقيم هذا البرنامج الدراسي نفي بادئ الأمر بقاعة مركز الدراسات الإستراتيجية ثم انتقل فيما بعد إلى قاعة مستشاريه التأصل، ويبدأ اليوم الدراسي في السابعة والنصف أو الثامنة صباحاً وكان دائما أول الحاضرين هو الطالب عمر حسن أحمد البشير، وأقول (الطالب) لأن الرجل كان كذلك بحق سواء أتى إلى الدرس ببزته العسكرية الرسمية أو بزيه السوداني التقليدي، ويحمل معه دائماً الحقيبة والدفاتر ولم يحدث مطلقاً أن دخل معه إلى قاعة الدرس أي من مرافقيه وحرسه الشخصي وعناصر أمنه ناهيك عن حضوره أصلاً إلى مكان الدرس في الصباح دون إشارات تنبيه فتح السير بالطريق لجنابه حتى يصل. ولم يحدث يوماً ولو مرة أن حضرت إلى قاعة المحاضرات ولم أجده جالساً قبلي بكل الاستعداد والاهتمام والانتباه للتلقي.
وما يزيد الأمر تأكيداً أن الحضور كان مدوناً بالتوقيعات الشخصية . وقد حدث أن أصاب جهاز الحاسوب عطل فلم يصدر القوائم المطبوعة بأسماء الطلاب لأخذ الحضور ، فصرت على مدى سبع محاضرات أو أكثر اصدر توجيهاتي للموظف القائم برصد الحضور أن يقص ورقة من كراسة عادية جدا ويمررها على الدارسين ليكتب كل واحد منهم اسمه عليها كاملاً بخط يده ويوقع أمامه، حدث ذلك دون أن يعترض أحد أو يبدي ثمة اعتراض وحتى أن الرئيس كان في كل مرة يكتب اسمه بخط يده ويوقع أمامه بتوقيعه المعروف على أوراق الكراس العادية تلك . ومازلت أحتفظ بهذه الأوراق حتى اللحظة لكأنما كنت على استشعار مبكر أن هذا الأمر سوف يثار حوله لغط وقول كثير ممن يعلمون وممن لا يعلمون (مرفق مع هذا المقال نموذج من أوراق التوقيعات) .
وعلى هذا أكمل الرئيس فترته الدراسية للمقررات كاملة دون انقطاع كطالب منتظم ملتزم أدى فيها كل ما وقع عليه من واجبات دراسية في القاعة وخارجها ، وقد أكد حضوره هذا بتقديمه لسمنار في موضوع (النموذج المعرفي الإسلامي مقارنة بالنموذج الوضعي) نم به عن فهم جيد واستيعاب واضح لما كان يدرسه. وفي الامتحانات حصل البشير على درجة (ب+) في فلسفة العلوم والتي قصدت أن يكون الامتحان فيها بنظام الامتحان المفتوح open exam فالطالب يأخذ معه ورقة الامتحان وكراسة الإجابة إلى داره ثم يسلمها بعد ثلاثة أيام فهو نظام للامتحان لا يعتمد على الحفظ والاستدعاء الذهني للمعلومات وإنما يعتمد على التحليل والرد والبناء والرؤية النقدية والإفادة من المراجع المختلفة في معالجة القضايا المقررة مما يسمح بصورة فائقة بإظهار الجوانب الإبداعية الخاصة للطالب وتميزه في قدراته المعرفية . وحصول الطالب عمر البشير على درجة ب+ هذه إنما كان جراء استحقاق فعلي وجهد ملحوظ وقفت عليه أنا بنفسي عندما ذهبت إليه في منزله بالقيادة العامة بصحبة الأخ د. الطيب إبراهيم محمد خير – والذي كان طالباً مجداً من قبل بالدفعة الأولى لهذا البرنامج – وكيف أنني وقفت يومها على سهر قد طال بين دفات الكتب وروحاته وجيئاته من مكتبة الدار إلى طاولة الكتابة متناولاً منها هذا المرجع تارة ومعيداً إليها ذاك تارة أخرى . ثم تم استلام كافة كراسات الامتحانات بواسطة اللجنة المعنية بذلك وإزالة الأسماء عنها وإبدالها بأرقام سرية كي لا نعلم من أصحابها توخياً لتحقيق الأمانة العلمية في عملية التصحيح ومنح الدرجات، فكنا نصحح دون أن ندري هوية من نصحح له فحصل غير واحد على تقدير (أ) وحصل الرئيس على تقدير (ب+) . ولا يفوتن أن أذكر أنني قد أقمت حصتين مسائيتين للمراجعة العامة للمادة بصورة طوعية عقب انتهاء المقرر الدراسي وقبيل الامتحان لتوضيح وتركيز الخلاصات العلمية للمادة وتبيان ما استشكل فهمه منها ، ورغم أن هذه الجلسات المسائية لم تكن ملزمة للطلاب بحضورها إلا أن الرئيس كان الأكثر حرصاً على حضورها كاملة.
وأخيراً أقول ، ربما تأثر البشير في انجاز البحث التكميلي لسنوات عده نسبة لما مرت به البلاد من مفترقات طرق عسيرات في الفترة السابقة على انفصال الجنوب استنزفت من أولي الأمر كل وقت وجهد وعمل ، إلا انه قد أتم انجازه وامتحانه في وقت قريب. هذا قول للتاريخ وأمانة في عنق من عايشوا هذا الحدث كان لابد من أدائها حتى لا يساء الظن والحكم على رئيس وعلى جامعة وعلى أساتذة. وأنا إذ أفصح عن ذلك ألان وبعد كل تلك السنوات فهذا لأنني قد تقاعدت مؤخراً للمعاش بقوات الشرطة كما أخليت طرفي من الجامعات السودانية تماماً وصرت حراً من أي عمل من شأنه أن يسدي لأجلي مصلحة أو نفعاً لدى حكومة جمهورية السودان من قريب أو بعيد، بل وقد حط بي المقام حالياً خارج السودان ، ولم أقدم على كتابة مثل هذا المقال حتى لا يظن بي أنني مدفوع بيد من السلطة أو على الأقل بيد من فضل من حكومة السودان علي في راتب أو أجر أو عطاء لكي ألبس على رئيس البلاد ثوباً علمياً قشيباً لا حق له فيه. وإنني لأقسم أمام الله تعالى وأمام الجميع أن هذا الرجل (عمر البشير) كان طالب علم بحق بكل ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم أمام أئمة علمه وأساتذة درسه وبنحو لم أعلم أحد من زعماء عصرنا قد تجرد للعلم وجلس طالباً وهو رئيس لدولة بنحو ما فعل عمر البشير، وأشهد بالله أن كل ما حصل عليه من درجات لاسيما في المقررات الدراسية كان من كسب قلمه وكد ذهنه ونجابة فهمه وفي هذا أنا لا أشيد وأطري وإنما أقرر واقعاً وأصف حالاً. ثم ابرءاً لذمة جامعة الجزيرة فإننا لم نتقاضى منها على هذا العمل إلا ما قد قدرته لنا الجامعة كأساتذة من راتب مستحق . والله على ما أقول شهيد.

د/ وائل أحمد خليل الكردي

صحيفة اليوم التالي / أكتوبر 2015م



تعليق واحد

  1. جزاك الله خيرا على قول الحق وتوضيح ملابسات هذا الموضوع وان شاء الله مأجور يا دكتور على قول الحق هذا وتصنف بأنك لا تخاف في الحق لومة لائم وفي هذا الصدد نذكر البروفيسور محمد الحسن بريمة الذي صدع بقول الحق مصحوبا بيمين صادقة ان شاء الله فجزاه الله كل خير وهذا ما نريده من اساتذتنا وعلمائنا أن يكونوا شجعانا وصادقين وامينين يقفون مع الحق ولا يخشون في ذلك قول اللئام الذين جردهم الله من الحياء ومن الصدق وابدلهم مكان ذلك الحقد واللؤم والافتراء والكذب الصراح في حق الأبرياء من الناس.. ولكن ان شاء الله سيرد الله كيدهم في نحورهم وتنجلي حقيقة سوء اخلاقهم وفسادهم وغرابة سلوكهم الذي لا يمت للسودانيين بصلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *