رأي ومقالات

تراكم الخبرات وتحديات الإعمار

القاضي الأمريكي ألفن هيلرشتين، الذي ترأس محكمة الرئيس الفنزويلي المختطف نيكولاس مادورو، يوم الإثنين 5 يناير 2026م، يبلغ من العمر 92 عاما، وكان تعيينه إبان إدارة الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون عام 1998م، ولا يزال يمارس صلاحياته القضائية حتى اليوم.

ويسمح الدستور الأمريكي لقضاة المحكمة الدستورية والقضاة الفيدراليين بالعمل مدى الحياة، وهم وحدهم من يقررون موعد التنازل عن كرسي القضاء، ويمنحهم الدستور براءة قضائية مدى الحياة، وليس هناك سن محددة للتقاعد لمعظم القضاة في عديد الولايات الفيدرالية.

الحالة الوحيدة التي تحيل القضاة للتقاعد قسرا هي ثبوت إدانة دامغة بتهمة الخيانة وعدم الشرف والأمانة.

مهنة القضاء من المهن الشريفة التي يحتاج من ينتمي إليها، بالإضافة للمؤهلات المعروفة، إلى التحلي بالأمانة والشرف وسمو الأخلاق، ثم فوق ذلك إلى الخبرات المهنية التراكمية، لأن مسألة العدالة، بمفهومها الشامل، تتجاوز مجرد معرفة الخطأ والصواب التي تحددها مواد القانون، بل لها أبعاد أخلاقية وإجتماعية وإنسانية، يتوفر عليها القضاة بالممارسة وبتراكم سني الخبرة والتجربة، ورصد السلوك الإجتماعي، والتغيرات الخُلقية والمزاجية على أرض الواقع، ومن ذلك التعرف على التقاليد المتقلبة وفهم دوافعها.

للأسف في نظامنا القضائي المستحدث، والموروث من الإستعمار البريطاني، وفق إطار وطبيعة ونظام إدارة الدولة الذي فرضه الجنرال الغازي هربرت كتشنر بالقهر العسكري، وتشكّلت ملامحه بعد إلغاء قوانين الدولة الوطنية السودانية، التي ظلت تشريعاتها سارية على مدى أربعة قرون، ومنذ قيام السلطنة الزرقاء عام 1502م، فتم تبديل تلك التشريعات بقرار أحادي وفردي من الحاكم الاستعماري الخالف لكتشنر، وهو الجنرال ريقنالد وينجيت في عام 1899م.

ومن تلقاء ذلك القانون الإستعماري فُرضت على القضاة في السودان، وكافة شاغلي الوظائف السيادية الأخرى المهمة لبناء واستمرارية وإدارة وفعالية الدولة، فترات محددة للتقاعد الإجباري، ودون النظر لمصلحة البلاد، ولا لتراكم الخبرات، لأن القصد أولا وآخرا هو خدمة أهداف المستعمر، دون النظر لأي اعتبار آخر. فأفضى ذلك للفشل الإداري التراكمي المزمن والموروث الاستعماري الماحق، والذي بدت عوراته الفاضحة شاهرة للجميع بعد الفوضى الإدارية الغوغائية التي طالت البلاد منذ أبريل 2019 م، ومن تلقاء إفرازات قرارات ما سُميّ حينها “بالتمكين” وما تمخض عنه من تفكيك مبرمج للإدارة المدنية وهيكل الدولة القومية، فتهاوت أعمدة البناء المهني للإدارة المدنية – صامولة صامولة- ففقدت السلطة الخالفة معظم خبراتها الإدارية والمهنية التراكمية، وتلاشت منظومة تواصل الخبرات المستقرة منذ عدة عقود، وتهتكت سلاسل التدريب على رأس العمل لناشئة الخدمة المدنية في كل المواقع، وشُردت الكفاءات، فأصبحت البلاد مكشوفة إداريا وعارية من كل خبرة وخالية الوفاض.

وباعتبار كل ذلك، ولتدارك ما ينبغي لأجل الوطن، يحتاج الأمر بإلحاح إلى إعادة النظر في قوانين التقاعد واحشد الخبرات والمعارف المهنية الوطنية المتلاشية، ودون أدنى تقاعس لتدارك هذا الوضع الأسيف.

ومن تلقاء ذلكم يتعين البدء باستنفار عام في كل مرافق الخدمة المدنية، وعبر استدعاء الجميع، بما في ذلك من احيلوا أو بلغوا السن المعاشية، ويتمتعون بالكفاءة التأهيلية، ولديهم الرغبة والعزيمة لخدمة الوطن ودعمه، والوقوف بجانبه في ساعة العسرة وذهاب القدرة وجيشان الضغائن وفوران الفتن، مثلما هو الحال في استنفار القدرات الدفاعية والأمنية والاستراتيجية على الجميع.

فاليوم لا تستطيع الحكومة القائمة، بمواردها المحدودة، التعاقد وجلب الخبرات المطلوبة لإعادة البناء والإعمار، لا داخليا ولا خارجيا، ونظرا لتدني الرواتب المحفزة بالخدمة المدنية، وتنامي معدلات التضخم الجامح، وتهاوي قيمة الجنيه، وزهد الكفاءات المطلوبة فيها من حيث المبدأ.

لذا فإن الواجب الوطني، والمسئولية الأخلاقية والتاريخية، تستدعي وتحتّم على الحكومة القائمة الحشد العام عبر تمديد السن المعاشية، وخاصة في المهن التي تستند على الخبرات التراكمية.

وينبغي أن يكون المعيار الأساسي لذلك هو توفر الأمانة المهنية، والكفاءة التأهيلية، وشرف المهنة، والبراءة من العمالة والخيانة الوطنية، وأن يكون العزل من الخدمة مستندا على ذلك، قولا واحدا، لا غير.

فتلكم هي الضمانات الحصرية لبناء الدولة السودانية ما بعد حرب الكرامة، والسبيل لإعادة الأمور إلى نصابها، وإنجاح برامج إعادة الإعمار والبناء، وتعزيز القدرات المهنية الوطنية، التي يتعذر تعويضها في فترة وجيزة، وفق الواقع المتاح. فالتنافس مستدام، ومضمار السباق مع من حولنا لا يتوقف ولا ينتظر أحدا، وإما أن نكون متوحدين أو نتلاشى متفرقين.

ولعل النظر في سيرة تاريخ الدولة المدنية ومورثاتها منذ أيام الخلافة الراشدة، ومرورا بالدولتين الأموية والعباسية، يتماهى مع سلوك النظام الفيدرالي الأمريكي، وخاصة في مجال القضاء.

بيد أنه لمعت في صفحات تاريخ الدولة الإسلامية أسماء ناصعة لقضاة راشدين وموهوبين، كالقاضي شريح بن هاني، أيام أمير المؤمنين، الإمام علي بن أبي طالب، وكذلك قاضي المأمون العباسي، يحي بن أكثم.

ولنا في إرث القضاء السوداني منذ أيام السلطنة الزرقاء الزرقاء سجل باهر سطره قضاة مشاهير، مثل القاضي دشين، الملقب بقاضي العدالة، وكان له موقف تاريخي شاهر ومشرف مع أكابر شيوخ التصوف إبان ذلك العهد، كالشيخ محمد الهميم، وهو أحد مؤسسي الطريقة القادرية بالسودان، وممن أخذها مكافحة من الشيخ تاج الدين البهاري، فأثنى عليه الشيخ فرح ود تكتوك، صاحب المقام المُزار في مدينة مكوار، قرب خزان سنار:

دشين قاضي العدالة

الما بميل مع الضلالة.

دكتور حسن عيسى الطالب