رأي ومقالاتمدارات

طفلة تيقظ والدها الصحفي الذي يسكن جزيرة توتي: بابا التمساح في الباب


أيقظتني صغيرتي موزا من النوم على وقع طرق في باب البيت بجزيرة توتي، وهى تردد بطريقة درامية هائلة “بابا بابا عمو التمساح في الباب” .. كان ذلك نوع من الخيال الطفولي يضارع الواقعية السحرية، ليلة أمس واليوم كلها محفوفة بالكوابيس، ومؤشرات ارتفاع مناسيب النيل منذ أكثر من قرن، تثير الرعب، لا أعرف كيف كانت توتي منذ عصور بعيدة، قبل أن تظهر على ضفة نهر صافٍ، وتُشد إليها الرحال، كانت خلوة في منتصف البحر قبل أربعمائة عام، لا تزال عصية على التمدن، مشهد التيران والمحاريث، السواقي وقوارب الصيد، نخلات خليل فرح الثلاثة، جنائن المانجو وأشجار الليمون، فهى بلدة كبيرة، تنتمي للبحر، تحتضنه وتحيض على ضفافه كل خريف، قبل تشييد الجسر كان الناس يمتطون المعدية والمراكب ويسبحون إليها، تبدو كمسقط ظل العمارات الشاهقة، وهى على صلة بالماضي من داخل مسجد أرباب العقائد، تقطنها مجموعة سكانية تمتد جذورها للخزرج في مدينة النبي محمد، ولا زالت وسط غابات الأسمنت أشبه بفندق الدولفين البحري كما صوره هاروكي موراكامي، يمد لسانه ساخراً للحضارة الجديدة، لكن ثمة حقيقة متجددة تكتسي بها توتي، وهى القدرة على مواجهة الطبيعة، دوماً، لدرجة أن الأمم المتحدة اختارتها ضمن أفضل ثماني مناطق على مستوى العالم في استخدام المهارات التقليدية والثقافة المحلية للحد من مخاطر الفيضانات، وتقدم اليوم نموذجاً لبسالة شبابها، الذين يقهرون النهر العنيد بأجسادهم، دون انكسار أو تراجع، لا النهر الأزرق ولا هم، تسمع صوت حمد الريح” عجبوني وسرو بالي” قبل ذلك تلمع صورة عملاقة لكمال حمزة أول مدير لبلدية دبي وصاحب البصمة الباقية في نهضة الإمارات العربية، نستذكر الشيخ زايد وهو يتعلق برقبة جعفر النميري ويترجى المهندس إبن توتي ” يا كمال ابغى ابوظبي تصير متل الخرطوم” تلمع أيضاً في عرض الجزيرة صورة معاوية نور الذي مات بحسرة العبقرية شأنه شأن موتسارت، كذلك ينتصب الشيخ خوجلي أبو الجاز، والقائد العمالي قاسم أمين” كتلوك الناس القصر” وشعر عتيق لا عتيق ” النسيم يجيب من توتي أصوات المتر” وهى قبل كل شيء كما زعم الشيخ النيل أبوقرون المكان الذي ضربه سيدنا موسى بعصاه فانشق نصفين، على مقربة منها، ولعل أجمل ما في هذا المكان أهله وأصالتهم النادرة، يهبون لنجدة الضعيف، وتتوقف سياراتهم على حافة الطريق دون إشارة لحمل الناس مجاناً، تلهمهم مآثر ام الخير، وتغلق المطاعم والمتاجر عند الوفاة ولا تشرع قبل مواراة الميت، لقد عشت بينهم لأكثر من عشرة سنوات على فترات متقطعة حتى ارتسمت في الخاطر، وفي النهاية انا جزء من هذه الجزيرة التي ريد أن يبتلعها النيل، انتمى لها حالياً وأخاف عليها .

عزمي عبد الرازق



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *