مقالات متنوعة

قفة العسكر


كثر الحديث عن تماهي حكومة الثورة الانتقالية مع المكون العسكري بصورة أكثر مما تقتضيه المصلحة العامة، وهو ما أدى لتأخر الكثير من القرارات والاصلاحات التي كان الجميع يتوقع أن تصدر في وقتها لتقلب الكثير من الموازين المختلة.
بالمقابل هناك من يرفض مجرد الإشارة إلى هذا التماهي والتباطوء ويصفون من يتناوله بالحديث همساً بعدم الوطنية والخيانة والعمالة والعمل بقوة لصالح الثورة المضادة.
الكل يعلم أن فساد الانقاذ بدأ يوم غادرت محطة الوطن وتسلقت قطار الخيانة، ويوم أن أكل السبع من الغنم القاصية التي إبتعدت مرغمة خوفاً وجزعاً من زائر منتصف الليل غير المرغوب فيه، حتى أضحى الخطأ صواب، والصواب خطأ.
الوضع الآن ليس فيه أولوية سوى (حماية البلد)، ولا شئ غير الوطن، والتأخير ليس من المصلحة، الحقوق تؤخذ ولا تستجدي، كل ممتلكات ومؤسسات وأموال الشعب يجب أن تقتلع اقتلاعاً من مغتصبي أموال الشعب أصحاب البزات العسكرية، وقبل ذلك لا بد من الضغط على حمدوك لإجراء إصلاحات داخل حكومته بتجديد معظم الوجوه والسياسات لضرب اقتصاد الدولة الموازية العنيدة، وكشف أوكارها ومن يقف على حمايتها.
وأخشى أن ينطبق علينا حديث الأخ كمال الزين وهو يصف واقع بلادنا بعد سقوط نظام البشير بوصف دقيق، وهو ان بلادنا الآن باتت محكومة بنظامين، الأول عسكري وهو المتمكن المسيطر، والثاني مدني (شايل قفة العسكر وماشي وراهم)، وهذه حقيقة واقعة لا مفر منها ولا يمكن التغاضي عنها.
فصراعنا ونضالنا من أجل دولة مدنية حقيقية لم ينته بعد، بل لم يبدأ بعد، فهو الصراع الذي سيبدأ بإعتراف المكون المدني بعدم جدوى مواصلة الشراكة مع العسكر الذين لا يريدن سوى أن يكونوا إمتداداً لنظام البشير، فساده وإرتزاقه ورهنه البلاد وشعبه لدول المحاور واطماعها، فغاية طموح البرهان أن يكون بشيراً آخر، يغضب العالم ويقهر المواطن، وغاية حميدتي أن يواصل لعب دور المماليك في سلطة بني العباس عسى ولعل تأتيه فرصة للإنقضاض على السلطة، وغاية المكون المدني أن يطلع البرهان ود حلال ويسلمهم السلطة ويمشي القشلاق.
وهذه طموحات جميعها لا علاقة لها بنضال الثلاثين عاماً الماضية والدماء الطاهرة التي لونت أرض السودان من أجل وطن حر ديمقراطي يحكمه خيرة أبناءه، لا شذاذ آفاقهم.
ومتى ما تم التغاضي عن ذلك والتحايل عليه، حتما ستشتعل شرارة ثورة التحرر من العسكرتاريا، التي ستكون الموجة الثانية من ثورة ديسمبر العظيمة والتي يقف المدنيون الذين يتوهمون أن شراكتهم مع العسكر ستغني عنها حائلاً دون إشتعالها..؟
حتى لا يحدث ذلك، نتمنى أن يعي الجميع حجم الخسائر التي سيجنيها هذا التماهي والبطء غير المبرر.
الجريدة
هنادي الصديق



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *