مقالات متنوعة

محجوب مدني محجوب يكتب: التطبيع بكل أنواعه


التطبيع مع العدو الإسرائيلي شر كله لا يلجأ إليه إلا من له مصالح خاصة به إما تثبيت حكم كشأن الحكومات العربية، أو إبعاد محاكمة ارتكبت في حق الشعب كجريمة فض اعتصام القيادة العامة بالسودان.
ونحن السودانيون ركبنا موجة التطبيع في أسوأ حالاتها؛ لأننا ربطناها بحالتنا السياسية، والاقتصادية التي تمر بنا توهما منا أن التطبيع مع إسرائيل سيخلق لنا استقرارا سياسيا، واقتصاديا، وهنا الطامة الكبرى.
الدول العربية التي طبعت مع إسرائيل كانت ملامح تطبيعها سياسية أكثر من كونها اقتصادية للجانبين تتلخص خطوطها العريضة في الاعتراف بإسرائيل كدولة في المنطقة، وعدم معاداتها، والتعامل معها دبلوماسيا، وبالتالي عدم دعم من يعاديها، وبالمقابل إسرائيل تدافع عن هذه الأنظمة التي اعترفت بها.
فالأنظمة العربية ملكية، وجمهورية لم تستمد بقاءها السياسي، والاقتصادي من إسرائيل، ولو الآن على الأقل. وإنما تعمل على حماية تلك الأنظمة، ومساندتها كما أن اقتصادها لا يرتبط مباشرة بهذا التطبيع، فالمواطن العربي الذي طبعت دولته مع إسرائيل لم يحتك بهذا التطبيع مباشرة، ولم ينعكس ذلك على معيشته.
أما نحن السودانيون حينما طبعنا، فأول ما شطحنا نطحنا لجأنا إليه، واخذناه من أوسع أبوابه على أمل أن تستقر سياستنا، واقتصادنا، وهو الملعون إذا وجد استقرارا زعزعه،
فهل يحقق استقرارا لمن يلجأ إليه؟
لن تزيد هذه الخطوة معه السياسة في السودان إلا ذلا، ولن تزيد الاقتصاد إلا دمارا، ولن تجعل من الموارد قيمة، ولا فائدة.
فاللجوء إليه يدل على أننا غارقون تماما، ولا نحمل أي حل لمشاكلنا السياسية، والاقتصادية، والغريق يتعلق بقشة.
التطبيع الذي قمنا به، وفي هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا السياسي أخطر من التطبيع العربي بمراحل.
فضرره علينا سيكون أشد، وسيكلفنا خسارة كل ما نملك.
فإن أردنا حلا لإشكالاتنا السياسية، ونحن مطبعون، فسوف يدعم هذا العدو أكثرنا خسة، وخيانة لوطننا، وديننا؛ ليستفيد منه في تحقيق أهدافه الشيطانية في السودان، وفي دول حوض النيل، وفي أفريقيا..
وإن أردنا حلا لإشكلاتنا الاقتصادية، ونحن مطبعون، فسوف يسيطر على كل مواردنا، ولن يترك أحدا غيره يستثمر معه، وسوف يعمل على تدميرها للأبد سواء بالأسمدة الفاسدة، أو المصانع المضروبة، أو بدفن النفايات المسرطنة.
وإن أردنا تقوية لأسلحتنا، وجيشنا، فسوف يبيعنا أسلحة بتراب الفلوس، وبلا فائدة منها
وإن أردنا وحدة لنسيجنا الاجتماعي، ونحن مطبعون فسوف يخلخله ويزعزعه بإرسال جماعات غير مرغوب فيها تهدد أمنه واستقراره في فلسطين، ويزرعها بيننا.
وإن أردنا أن نضع مواثيق، وعهودا نلتزم بها حتى نحافظ على ثقافتنا، وعاداتنا وتقاليدنا، فسوف يحشر أنفه فيها، ويجبرنا على الالتزام بمواثيق تخجل منها القرود.
تطبيعنا في هذه المرحلة الحرجة التي نعاني منها من ضعف على جميع الأصعدة مع هذا العدو الإسرائيلي ليس سياسيا يا سادة وإنما سياسيا، واقتصاديا، وعسكريا، وأخلاقيا، واجتماعيا.
فلم يمر على المسلمين أسوأ من تطبيع كهذا التطبيع،
وإن أردتم أن تعرفوا عمق خطره، فانظروا لنشوة وفرح (نينتياهو) وهو يبشر به.
فهذا حصاد الفشل السياسي بامتياز.

محجوب مدني محجوب



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *