مقالات متنوعة

قوم بارحها (1)


الجريدة “ هذا الصباح … أغنية بنات تقول كلماتها (الزلط.. الزلط آذانا.. وشال الشباب خلانا)..
—————
—————
صباحكم خير – د ناهد قرناص
قوم بارحها (1)

مصطفى سعيد الشخصية المحورية لرائعة الطيب صالح (موسم الهجرة الى الشمال ).. كتب في وصيته للراوي (ان جنب أبنائي مشقة السفر ما استطعت).. الطيب صالح الذي غادر كرمكول الى العالمية.. كان يرسل رسائل ضمنية في حوارات شخصياته.. لا نتفهمها الا عند الضرورة.. (جنبهما مشقة السفر ما استطعت )..هل كان مصطفى سعيد يخاف على أولاده من تغير المفاهيم والمعتقد ؟ أم كان يخاف على البلد أن تخلو من ساكنيها وتصفر الرياح في بيوتها الخاوية..؟
رحلتي الى الشمال الاسبوع الماضي.. أثارت في نفسي شجونا كثيرة.. وسؤال تردد في ذهني كثيراً.. لماذا غادرنا باكراً ؟. وما المانع من العودة مرة أخرى ؟.. سافرت الى وادي حلفا في مناسبة خاصة.. زواج ابن عمي الأصغر.. والطريق الى الشمال طويل وبعيد وموحش.. لابد له من رفقة تقطع الملل.. 900 كيلو من أمدرمان حتى وادي حلفا.. يمتد فيها الاسفلت متعرجاً عبر الصحراء والجبال العالية.. والاراضي خالية تنظر الينا بأعين ساهمة.. لا تدري هل هي عاتبة على تأخر من يعمرها ؟..ام تبكي من هجرها ؟ قرى المحس التي تقبع بالقرب من النيل.. تحكي مأساة الهجر والنسيان.. هناك رأيت شيوخا يفلحون الأرض.. فتساءلت.. ترى اين الشباب ؟ وكانت الاجابة حاضرة.. انهم اما في المهجر.. او الخرطوم.
في الثمانينيات انتشرت أغنية بنات تقول كلماتها (الزلط.. الزلط آذانا.. وشال الشباب خلانا).. والكلمات على بساطتها تعبر بوضوح عن المشكلة.. الاسفلت جعل المغادرة سهلة.. لا تكلف الا ثمن التذكرة للوصول الى الطرف الآخر.. وأضواء المدينة تدير الرؤوس.. والزمن يسحب من العمر.. والنتيجة.. ان ولاية مثل الولاية الشمالية على كبر مساحتها وعظم ثروتها لا يسكنها أكثر من 500الف.. أغلبهم من الشيوخ والاطفال.. الأعمار المنتجة خارج الولاية.. و (الهجرة من زمنا قديم زي ساقية فينا مدورة).
عندما وصلت الى وادي حلفا .. وجدت الحياة جميلة وبسيطة.. لا ضجيج ولا صخب.. لا صف عيش ولا مبيت عند الطلمبات.. الكهرباء شغالة والمياه جيدة وان كانت هناك صعوبات فهي في طريقها للحل عبر المساعي التي يقوم بها الاهالي.. من الذي نشر ثقافة التكدس في الخرطوم؟ حتى ابناء تلك المناطق اذا اغترب أحدهم.. عندما ينوي الاستقرار تجده يبحث عن قطعة أرض مميزة في العاصمة ولا تخطر بلاده على رأسه.. والنتيجة ان تمددت كرش الفيل وترهلت.. لماذا لا يبني أحدنا بيته في مسقط رأسه ؟ لا تقل لي الخدمات.. فالخدمات تتبع السكان.. والدليل انتعاش الشمال بعد الذهب وحملات التنقيب..
الايام التي قضيتها في وادي حلفا.. ازالت الغشاوة من عيني.. فهمت بعد طول تبلد.. لماذا طلب مصطفى سعيد من الراوي ان يجنب ابنيه مشقة السفر.. كان يخشى ان يغادروا بلا رجعة.. الا يدير أحدهم ظهره للوراء ويرى دموع أهله.. تأخذهم الحياة في دروبها وتمر الايام والسنين ويصبح الوطن عبارة عن أغنية في الهاتف الجوال وصورة بعيدة في غياهب الذاكرة..
عودوا الى مسقط الرأس.. انفضوا عنها غبار الاهمال وامسحوا عنها دموع الحزن.. زوروا تلك الاماكن ولو لمرة كل عام.. سافروا الى أهلكم في القرى البعيدة والاطراف.. انعشوا تلك الأماكن بالمحبة وأحيوا أوردتها بضخ الدماء الحارة.. فقد تيبست من طول البعد والخذلان.. كتروا الطلة.. فانها وايم الله تحبب فيكم خلق الله.. .واسمعوا النور الجيلاني وهو يصدح (روح قوم.. سيب الخرطوم.. قوم قوم .قوم بارحها).. ولنا عودة مع وادي حلفا لو كان في العمر بقية ان شاء الله.

د. ناهَد قرناص – صحيفة الجريدة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *