مزمل ابو القاسم

كهرباء المكيالين


* استحق مهدي موسى، والي ولاية جنوب دارفور الإشادة، عندما أمر بعدم تشغيل المولّد الكهربائي المُلحق بمنزله، كي يتساوى مع مواطني مدينة نيالا في غياب الإمداد، بعد أن قطعت الشركة التي تشرف على توليد الكهرباء التيار عن المدينة، بسبب عدم التزام الحكومة بسداد مديونياتها لشهورٍ خلت.
* قرار مسؤول، يدل على تقدير الوالي لمعاناة مواطنيه، ويثبت حرصه على مقاسمتهم العنت، إذ لا يصح قطعاً أن يبقى منزله مُضاءً، بينما تغرق كل منازل عاصمة الولاية في الظلام.
* تتفق تلك الروح مع مبادئ الثورة وشعاراتها، وتدل على إحساسٍ عالٍ بالمسؤولية، وتشير إلى تمتع الوالي بمهارات القيادة، إذ لا يصح قطعاً أن يتمتع الراعي بما لم يستطع توفيره لرعيته.
* لكننا وفي المقابل – كما يقول فيصل القاسم – لم نهضم تهديد السيد الوالي بمقاضاة الشركة المنتجة للكهرباء في نيالا، بادعاء أنها تتحمل الخسائر الناتجة عن قطع التيار، اللهم إلا إذا قبِل من المواطنين أن يقاضوا شركات الكهرباء الحكومية، ويطالبوها بتعويضهم عن الأضرار والخسائر المادية والمعنوية التي يتعرضون لها جراء قطع التيار عنهم لساعاتٍ طويلةٍ كل يوم.
* يحدث لهم ذلك وهم يدفعون ثمن الخدمة مُقدّماً، ويلتزمون بسداد تعرفة عالية القيمة، ضاعفتها لهم الحكومة بنسبة تفوق الخمسمائة في المائة، ثم فشلت في توفير إمدادٍ مستقرٍ لهم.
* الخدمة التي تقدمها شركات الكهرباء الحكومية مرتبطة بعقود إذعانٍ تُفرض على المواطنين، فيقبلونها صاغرين، ويشترون عدادات الكهرباء من حر مالهم ثم يسددون قيمة إيجارها للشركة (في منازلهم) شهرياً، ويدفعون قيمة الأعمدة والكيبلات من جيوبهم ثم يتنازلون عنها للشركة، ويدفعون أموالهم لشراء الكهرباء بنظام الدفع المقدّم، ثم يُقطع عنهم التيار يومياً، ولا تعوضهم الحكومة مليماً واحداً، مثلما لا تعبأ بهم ولا تسدد لهم قيمة الخسائر التي يتعرضون لها، عندما يعود التيار عالياً، ويتسبب في إتلاف الأجهزة والمعدات الإلكترونية والكهربائية في المنازل والمكاتب والمصانع.
* العلاقة التي تربط الحكومة مع الشركة التركية التي تولد الكهرباء في نيالا تعاقدية، وهي تُلزم الشركة بتوفير التيار للمدينة، وتفرض على الحكومة أن تسدد قيمة الكهرباء المُنتجة للشركة بانتظام، وبما أن الحكومة فشلت في سداد التزاماتها المالية للشركة، وأخفقت في الوفاء بشروط العقد يصبح من الطبيعي أن تتوقف الشركة عن تقديم الخدمة، بعد أن صبرت واستمرت في توفيرها من دون سداد عُدَّة أشهر، اللهم إلا إذا افترضت الحكومة في الشركة أنها ملزمة بتشغيل المحطة على نفقتها الخاصة إلى ما شاء الله.
* المواطن الذي يفرغ عداده من كهرباء الشبكة القومية يفقد الخدمة من فوره، ولا يستعيد التيار إلا إذا بادر بشراء الكهرباء (دفع مقدَّم)، وبالطبع لن يعبأ به أحد، ولن تتكرم شركة توزيع الكهرباء بمنحه كيلواطاً واحداً ما لم يبادر بشرائه من حر ماله، وإذا لم يمتلك ثمن الكهرباء فلن يجد من يمهله إلى حين ميسرة، فلماذا يريد الوالي من الشركة المنتجة للكهرباء في نيالا أن تستمر في تقديم الخدمة بلا سداد؟
* الماكينات التي تولّد بها الشركة الكهرباء في نيالا تعمل بوقودٍ ضاعفت الحكومة قيمته بنسبة خمسمائة في المائة، وهي (أي الماكينات) تحتاج إلى زيوت وإسبيرات تضاعفت قيمتها تبعاً للزيادات التي فرضتها الحكومة على كل شيء، ويشرف على تشغيل المحطة مهندسون وفنيون وعمال يصرف بعضهم مرتباته بالدولار، وبالطبع اضطرت الشركة إلى زيادة مرتبات العاملين فيها، بعد أن ضاعفت الحكومة مرتبات موظفيها بنسبة (569‎%‎) قبل فترة.
* إذا أرادت الحكومة للشركة المنتجة للكهرباء في نيالا وبقية مدن غرب السودان أن تستمر في تقديم الخدمة بلا مقابل فعليها أن تفعل الشيء نفسه مع المواطنين الذين تفرض عليهم شركات الكهرباء أن يسددوا قيمة الخدمة مقدماً، وإذا رغبت في إلزام الشركة بتعويض المواطنين المتمتعين بخدماتها عن أي خسائر تنجم عن حجب الخدمة عنهم فعليها أن تهيئ نفسها لمعاملة عملاء شركات الكهرباء القومية بالمثل، علماً أن تلك الشركات لا تلتزم حتى بإخطار المواطنين بمواعيد قطع التيار عنهم.
* لا يستقيم أن تختص الحكومة نفسها بما لم توفره لمواطنيها، ولا يجوز لها أن تقبض ثمن الكهرباء من مواطني نيالا مقدماً ثم تمتنع عن سداده للجهة التي تنتج الكهرباء، وذاك عين ما يحدث في بورتسودان وعدة مدن في غرب السودان، علماً أن تعنت وزير الطاقة السابق تسبب في تعطيل العمل في محطة قرّي، عندما أوقف الشركة العاملة في تركيب مولدات (سيمنز) عن العمل بادعاء أنها تتبع لرجل أعمال تركي محسوب على النظام البائد.
* لو لم يتعامل الوزير في ذلك الملف بأسلوب الناشطين المتهورين لاكتمل تركيب المحطة في شهر أبريل من العام الماضي، ولأنتجت قرابة خمسمائة ميغاواط، كانت ستسهم في فك كُربة قطاع الكهرباء، وتعفي المواطنين من ويلات انقطاع التيار في عز شهور الشتاء!

مزمل ابو القاسم – صحيفة اليوم التالي



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *