مقالات متنوعة

كهرباء وعقاب شهر


بالأمس.. الساعة الثالثة عصراً.. رمضان على الأبواب.. وأنا أقف في صف طويل في أحد السوبر ماركتات الكبيرة.. لا أحد يسألني لماذا تدخلي نفسك في هذا (الحسكنيت ).. ببساطة لأننا ومنذ ان صرنا من ابطال الاديجيتال.. المرتبات تنزل عندنا في الحساب البنكي.. ارقام في أرقام.. لا توجد دنانير ودراهم نقبضها بايدينا.. والصرافات أغلبها خارج النظام.. او صفوفها مثل صف الرغيف والبنزين.. او مثل هذا الصف الذي ازحف فيه منذ ساعة.. وأنا في هذا الصف الطويل.. سرح فكري في أحوال السودانيين هذه الأيام.. وهي حالة تدعو فعلاً للتأمل.. .كيف لشعب عادي يعيش في هذه الظروف ؟ الجو ساخن بطبيعة الحال.. الكهرباء مقطوعة الا قليلا.. الرغيف غير متوفر.. البنزين طالت الصفوف حتى بلغت الحلقوم.. الغاز في عداد الرفاهيات.. حقيقة نحن ظاهرة يجب ان تدرس..
وأنا في وقفتي تلك وقد اكتملت كل العوامل للابداع الخارج من رحم المعاناة.. تذكرت درس توليد الكهرباء.. عامود فولت.. وكيف تهاجر الشحنات الموجبة الى السالبة حتى يحدث تعادل كهربي.. (هذا ما بقي في ذهني.. فاعذروني لو كانت هناك اخطاء).. فجأة لمعت لمبة عبقرينو وقالت (وجدتها).. ….والفكرة هذه حقوق الطبع محفوظة فيها لشخصي الضعيف.. لأن الهجرة هنا ليست بـ(السمبك) ولا تحتاج الى (فيزا عمل ) ولا موافقة كفيل.. القصة ببساطة ياسادة يا كرام وما يحلى الكلام الا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام
الهجرة الكهربائية.. حتى يحدث تعادل كهربي.. نهاجر الى بيوت المسؤولين ذوات الشحنة الكهربائية الموجبة.. كل زول يشيل حاجاته ويمشي الى بيت اقرب مسؤول ويطرق الباب بكل أريحية.. ليه الكلام دا ؟ لأنها اما خارج برنامج القطوعات.. او عندما تحدث أخطاء وتقطع الكهرباء.. هناك دائما مولد يحل محل الفاعل بعد غيابه.. الهجرة ستكون لساعات مؤقتة حتى يحدث التعادل.. نجهز العصائر.. ونغسل ملابس العيال للمدرسة ونكويها.. ولو أمكن نضع ماعون للثلج لنأخذ اليوم التالي.. وبهذه الطريقة نكون قد قدمنا افضل خدمة للسيد المسؤول.. أولا وصلناه الى باب بيته.. وهو الذي كان (زمن يفتش لينا).. ثانياً خلقنا فرصة للتلاحم مع قوى الشعب العاملة وقد كانت البطانة السيئة التي من حوله تمنعه من التواصل مع شعبه الحبيب.. ثالثاً.. يتأكد المسؤول من وصول الخدمات الى مستحقيها بدلاً عن تكوين لجان للمتابعة ولجان منبثقة لمتابعة لجان المتابعة.. .رابعاً وهو الأهم حققنا التعادل الكهربي.. شفتوا كيف؟
بقي علينا ان نقسم لأنفسنا على عدد المسؤولين.. حتى لا يحدث اختلاط في (الاختساس )..لا تقلقوا.. العدد أكثر من كاف.. عندنا حوالي 27 وزير اتحادي.. و13 عضو مجلس سيادة.. غير قواد الحركات.. الموقعين على الاتفاقية.. ووكلاء الوزارات.. والمساعدين التنفيذيين.. وهلم جرا.. ..طبعاً هذا غير كبار المسؤولين عن الكهرباء أنفسهم.
أهم شئ نريده هو توضيح ان الهجرة الكهربائية هذه مؤقتة لقضاء الحوائج التي تحتاج الى كهرباء عاجلة لا يمكن تأجيلها.. وهي قابلة للتنفيذ في خلال شهر رمضان فقط.. وتنتهي صلاحيتها بانتهاء أيام الشهر الكريم.. ووو (يا استاذة كاش ولا بطاقة ؟ ).. لا زلت واقفة في الصف.. يبدو انني وصلت الى الكاشير أخيراً .. مددت يدي بالبطاقة.. قالت الفتاة الجالسة خلف الماكينة ببرود (بنك الخرطوم ؟ البطاقة ما شغالة.. كاش ولا بلاش ) و(الكاش اجيبو من وين حبايبي أنا ؟) .. اضطررت الى ترك ما كنت قد انتقيته وخرجت وسط لعنات وهمسات الطيبين رفقاء الصف الطويل..اقعدوا عافية وتصوموا وتفطروا على خير.

ناهد قرناص.. صحيفة الجريدة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *