مقالات متنوعة

العودة الجبرية الى الريف


شهدت عدة مدن وقرى في الولايات وفي بداية هذا العام عودة جبرية للمواطنين الذين فضلوا العيش فيها بدلاً عن ولاية الخرطوم التي أصبحت طاردة بكل المقاييس، ولم تترك لهم خياراً ولا بديلاً الا الرحيل، ويأتي ذلك بسبب غلاء الأسعار وارتفاع الإيجار وغيره من صعوبة في مقومات الحياة التي أصبحت شبه مستحيلة في العاصمة، خاصة لأصحاب الدخل المحدود، والأسر الكبيرة التي بها عدد من الأفراد والأطفال.
تلك العودة التي لطالما سعت اليها جميع الحكومات ولكنها فشلت دون ان تحقق نجاحاً يذكر، تأتي اليوم دون أن تبذل الحكومة جهوداً لتحقيقها، او تقوم بعمل حوافز لجذب المواطنين للعيش في الريف.
وحسب موقع (السودان الآن) ان الخرطوم تشهد ارتفاعاً كبيراً في أسعار الإيجارات وعزا عدد من أصحاب الوكالات العقارية أن سبب زيادة الايجار هو الارتفاع المتواصل لسعر الدولار مقابل الجنيه السوداني، لاسيما أن هنالك تلاعب وخرق لقانون الايجارات من قبل أصحاب الملك، وان في بعض عقود الايجار تجد أن عقد الشقة (الخالية) يكتب شقة مفروشة وأحياناً لا يتم عمل عقد أو قد يكون عقد مفتوح، وأصبحت الزيادة شهرية بدلاً عن سنوية بسبب الزيادات المستمرة في كل الخدمات والمستأجر يريد أن يسكن ولذلك يقبل بأي شروط ويحصل لتعسر في الدفع، كما إن زيادة أسعار المحروقات الاخيرة لها تأثير كبير على الوضع المعيشي حيث بدأت آثارها بارتفاع أسعار السلع والخدمات ومن بينها الايجارات التي سترتفع أسعارها بصورة كبيرة.
كما قال أحد أصحاب المكاتب العقارية إن عودة بعض الأسر إلى الولايات سببه المباشر إرتفاع الإيجارات بالعاصمة لافتاً إلى أن أكثر الفئات إقبالاً على الإيجارات الآن هي أسر المغتربين و(الأجانب من دول معينة).
وقد يبدو عيش حياة بسيطة في الريف لكثير من الاطفال الذين عاشوا في المدن تجربة قاسية، لاختلاف البيئة الاجتماعية والدراسية وغيرها، ولكن يبقى هذا الخيار لابد منه لعدد من الأسر في ظروف اقتصادية سيئة للغاية لا يستطيع أن يتحملها كثير من الناس، بالمقابل قد تكون الهجرة للبعض حلم هادئ يداعب خيال من سئموا نمط الحياة المتسارع، والشعور بالخوف وعدم الأمان في عاصمة اصبح كل شئ فيها متوقعاً، لذلك فإن عدم الشعور بالأمن قد يكون سبباً ودافعاً قوياً أكثر من عدم المقدرة للحصول على سبل العيش في الخرطوم.
وازدياد الحراك السكاني هجرة ونزوحا الى الخرطوم والذي أدى إلى التكدس السكاني في العاصمة كان هاجساً كبيراً يؤرق الدولة، وكانت المطالب لها دائماً بإعطاء التنمية الريفية أولوية قصوى وجعل الريف جاذباً ومشجعاً على الاستقرار لتتواصل عملية الإنتاج والتنمية وذلك بتوفير الخدمات بأنواعها، لأن الولايات كانت تشهد ظلماً كبيراً بسبب التوزيع غير المتكافئ للموارد الطبيعية والتنمية غير المتوازنة وتمركزها بالمركز.
فمن كان يتخيل يوماً أن أصبحت الخرطوم طاردة والولايات جاذبة حتى تصبح خيارً أمثل للعيش عند كثير من المواطنين ، فكل ماكان يستدعي الناس للعيش في الخرطوم من صحة وتعليم وعمل، أصبح مكلفاً، ففي السابق كان يدفع الفقر المدقع في الريف والنزاعات والحروب مئات الآلاف إلى الهجرة للخرطوم بحثًا عن لقمة العيش، وملاذ آمن ، والآن ذات الاسباب تدفعهم للهجرة من الخرطوم للبحث عنها في الريف والقرى، وحكومة أهملت العاصمة الخرطوم، وجعلت الحياة فيها صعبة لهذا الحد، كيف لها ان تقدم خدمات للمواطن في الريف ؟! لكنه خيار المستجير مِن الرَّمضاءِ بالنار.
طيف أخير :
بَالِغ في حُسن ظنك بالله، فإنَّ جزاء حُسن الظن أن تَنَل ما ظَنَنت

صباح محمد الحسن
صحيفة الجريدة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *