مقالات متنوعة

محمد جميل احمد يكتب الصحافة الإلكترونية السودانية وتحديات التنوع


التقنيات الهائلة التي توافرت للميديا والإعلام، عبر ثورة المعلوماتية والاتصال، منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، دخلت صناعة الصحافة مرحلة جديدة شكّلت قطيعة تكنولوجية كبرى حيال كثير من التصورات التي رسختها الصحافة الورقية منذ القرن التاسع عشر.

فعلى وقع التقنيات الاتصالية المتسارعة، ليس هناك مكان للتوقف في الصحافة الإلكترونية، بل سيصبح النسخ المتجدد والفعال، عبر التجاوز المستمر في تحسين مستويات الأداء، هو الآلية الوحيدة لتطوير محتوى الخدمة الصحافية المتجددة والمرشحة للبقاء. ومع تلك التحولات المتسارعة ستصبح مواجهة التنوع خياراً ضرورياً بين مختلف أنماط الحياة وصورها التي تعكسها الصحافة بمختلف مجالاتها في الإعلام المرئي والمقروء والمسموع.

إن التنوع الذي أصبح صيغة كونية للعيش في عالم اليوم، سيطرح قوانين وتصورات وإشكاليات على مختلف المجتمعات، وسيؤسس لجدل جديد وحوارات متجددة تمتحن البنية الأوتوقراطية لكثيرين في تصوراتهم ومفاهيمهم، لا سيما تلك التي تشتغل عليها بعض قوالب الصحافة الورقية وحدودها.

فالبنية الديمقراطية في الشكل التقني من حيث تصميم أدوات الوسائط المتعددة في الميديا الحديثة ستؤدي في المستقبل إلى استجابات في المحتوى الرقمي للصحافة توازي مستوى وآفاق تقنياتها المتقدمة.

وفي حين تشهد الصحافة الإلكترونية اليوم في السودان، بعد الثورة، بدايات ذلك التفاعل، ستمر مياه كثيرة تحت جسر التحولات، وسيبلغ التنافس في إطار التنوع حدوداً قصوى بفعل ذلك التنوع الذي سيرتفع بمستوى وعي القارئ عبر تفاعل ذكي وشراكة متبادلة. وسيمتحن صانع المحتوى الصحافي برهانات جديدة ومتسارعة.

تخوض الصحافة الإلكترونية اليوم في السودان مع المرحلة الجديدة في ظل ثورة 19 ديسمبر (كانون الأول) 2019 رهاناً متجدداً، وتبحث عن فضاء آخر للتجريب، وتلاحق، في الوقت عينه، سباق الوسائط والتقنيات لتكون أكثر قدرة على التقاط اللحظة الأكثر تأثيراً على طبيعة أدائها. فمناخ الحرية الذي وفّرته الثورة السودانية سيجعل الصحافة الرقمية منبراً موازياً، ليس للسرعة التي تميزت بها تلك الصحافة فحسب، وإنما للقدرة على مواكبة كثافة الأحداث التي تتلاحق أيضاً، والملفات التي تفتح باستمرار مع انفتاح السياسة على آفاق العمل الحزبي العام، وعلى وقع التسارع الذي يلهث خلفه الصحافيون في ملاحقة الأخبار.

وإذا كانت مواقع الصحافة الإلكترونية في السودان تقارب منظومة مهنية في الأداء الصحافي أشبه بالمواقع الإخبارية منها إلى الصحافة المتكاملة، فما ذلك إلا شكل من أشكال الاستجابة السريعة لنبض الواقع، والملاحقة المستعجلة في معالجة تدفق المحتوى الرقمي الهائل والمتجدد من وسائط الميديا وتكنولوجيا الاتصالات.

إن ملاحظتنا هنا في تفحّص العلاقة بين الصحافة الإلكترونية وظاهرة التنوع لا ترصد طبيعتها من حيث كونها علاقة ثابتة، وإنما تتأمل في صيرورتها، وصولاً إلى اللحظة التي تتطابق فيها دلالات المفهوم التقني لوسائط التواصل وخلفياتها العاكسة لمعنى التنوع كهوية أصلية في تصميم التطبيقات، مع الوعي الإرادي للقائمين على الصحافة الإلكترونية في السودان، أي ذلك الوعي الذي يجعلهم في وارد التعبير عن التنوع السوداني الذي كان منسياً نتيجة لنظام أوتوقراطي أراد أن يوحد الحياة وفق مزاجه الإسلاموي الأيديولوجي. فهذا التحدي الذي سيجعلهم أكثر تحملاً للاختلاف السياسي والاجتماعي القائم على الحرية، سيمتحن قدرتهم على رؤية الواقع من زوايا متعددة في النظر.

وبما أن التفاعل هو الخاصية الأساسية لهوية التنوع، فإن الصحافة الإلكترونية ستظل باستمرار مؤشر العلاقة، لذلك الجدل في المسار السياسي والاجتماعي المتحرر والمتعدد الوجهة والمكان، لأن الصبر على تحولات التنوع الذي يطرحه التغيير الهائل في السودان عبر الثورة وتقبل مفاهيمه ووسائطه ضمن محتوى الصحافة الإلكترونية هو المهمة التي ستكون بانتظار الجميع في هذا الحوار الطويل لمسيرة الصحافة الإلكترونية وانعكاسات أدائها على الوعي الاجتماعي والسياسي للقراء.

فالصحافة الإلكترونية إذ تعي – بصورة من الصور – قاعدة قرائها عبر مؤشرات تقنية صادقة إنما تسمح للقارئ بنافذة يرصد عبرها دلالات كثيرة لما يمكن أن تنعكس عليه مؤثرات تلك الصحافة في وعي الأفراد والمواطنين. ومع مساحة الحريات التي وفرتها الثورة من خلال سقوف عالية للتعبير ستكون مؤشرات الرصد والمتابعة أكثر كشفاً عن عدد القراء.

الوباء والنظام السياسي

وكلما تضاعفت مؤشرات الزوار في قاعدة مؤشرات القياس، كان ذلك أكثر احتمالاً لخاصية التنوع في شرائح القراء، من ناحية، وأكثر تعبيراً على الاستجابة لممكنات الطرح الحر في قضايا الواقع عبر صدقية مهنية لا بد منها.

هكذا، يمكن لعلاقات التفاعل بين الصحافة الإلكترونية ومصائر ومصادر التنوع التي يطرحها التغيير الثوري في السودان عبر مجالات مختلفة وجديدة، أن تنفتح على آفاق لا متناهية، وصولاً إلى إدارة ذلك التنوع في المستقبل.

إن الصحافة الإلكترونية في انفتاحها على التنوع عبر قدرتها على تجاوز السقوف القديمة لفضاء التعبير إبان حكم الإنقاذ، إلى جانب المواد المتنوعة والمتجددة، ستبقى مع المسار المطرد لتكنولوجيا الاتصالات أكثر قدرة على الوصول إلى لحظة الالتقاء بين دلالات الخلفية الديمقراطية لتطبيقاتها التقنية المرنة متعددة الوسائط، والإرادة الذاتية في توجيه التنوع وتقبله وإدارته من قبل القائمين على محتوى الصحافة الإلكترونية. ومتى كانت الحريات التي يسمح بها الفضاء الإعلامي عالية السقف كان التطابق بين فاعلية تلك التطبيقات ومستهلكي الحقيقية المتعطشين لها عبر حرية الإعلام أكثر تفاعلاً.

يبقى أهم عناصر سلبيات التصميم الرقمي في المواقع الصحافية السودانية، ذلك التناسخ المتشابه في المواقع الإخبارية، التي فيما هي تلهث وراء الخبر ستجعل من مواد المحتوى الصحافي أكثر تشابهاً وتناسخاً. فإذا كانت الصحافة الرقمية تنتصر في الاستجابة لتسارع الأخبار بكفاءة عالية، فإن هويتها الخبرية ستخصم كثيراً من بصمتها الكلية كصحافة تُعنى بالخبر والرأي والمعرفة والثقافة والفن.

ثمة كثير مما ينتظر الصحافة الإلكترونية السودانية لكي تؤسس لها هوية صحافية إلكترونية تستجيب لكلية التنوع الذي تقوم عليه فنون العمل الصحافي الإلكتروني المعاصر. فإذا كان زمن نظام الإنقاذ الذي دام ثلاثين سنة قد عمل على تغيير طبائع الأشياء والبشر كهوية صميمة لطبيعته كنظام توتاليتاري، فإن ذلك التغيير للأسوأ الذي طاول هوية الصحافة الورقية في السودان منذ ثلاثين عاماً، كان قد أفرز في ساحة الصحافة صحافيين ذوي قدرات متواضعة، لكنهم بسبب سقف المستوى المتدني لتصنيف الحياة التي عممها نظام الإنقاذ أصبحوا اليوم كما لو أنهم صحافيون كبار، فيما هم في الحقيقة، في عمومهم، صحافيون أقل من عاديين. هذا المستوى من التصنيف في معايير الصحافيين سيعكس أثره القوي على تجربة مواقع الصحافة الإلكترونية في السودان وسيخصم من رصيدها لا محالة!

صحيفة السوداني