محمد عثمان ابراهيم يكتب؛ الترويكا: السودان في عهد الحكم الثلاثي

بعد انتهاء مهمتها الثالثة في شرق السودان، عادت الوزيرة مريم الصادق المهدي وهي تحمل رسالة محددة من سنكات حيث التقت ووفدها المرافق مجموعة من قادة الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة بزعامة رئيس مجلس نظارات البجا وشرق السودان الناظر سيد محمد محمد الأمين ترك وأنصاره:
على الحكومة الانتقالية و(من يستخدمون عناصرها) أن ينظفوا الساحة السياسية من الأدران التي صنعوها. إن الحديث عن المظالم التاريخية مؤجل إلى حين، وهو محل نظر ونضال متصل منذ العام ١٩٥٨م لكن المطلوب العاجل الآن هو الغاء ما يسمى بإتفاق مسار الشرق الذي صنعته مؤسسات الحكومة الانتقالية ومساندوها من القناصل ورجال الاستعمار الجديد الذين يحملون هذه الأيام اسم (دول الترويكا).
***
لم يكن الوضع مزدهراً في شرق السودان في عهود ما قبل الحكومة الانتقالية منذ الاستقلال ونشوء الدولة الوطنية، لكن الجماهير تواضعت عبر العقود على العديد من الوسائل الملائمة لكل عهد لإسماع صوتها والأنين بصوت عالٍ.
عوضاً عن أن تبني الحكومة الانتقالية على ما تم انجازه وما تحقق وتنظر فيما لم يتحقق، حاولت تأسيس شرق سودان جديد يلائم قامتها القصيرة وتصورات المستشرقين الجدد. كان هذا التصور ببساطة هو الغاء شرق السودان القديم بجماهيره وقادته وطموحات شبابه وتصورات مثقفيه وخطط أصحاب الأعمال فيه.
مضى التنفيذ عاجلاً بحيث كان أسرع من التفكير على ثلاثة محاور:
1- استخدام لجنة التمكين سيئة السمعة والذكر لإفقار أصحاب الأموال الناهضين ومحاربة رجال الأعمال والسيطرة على الممتلكات، وطرد غير الموالين من وظائفهم وقهرهم وافقارهم وتجويعهم إن لزم الأمر.
2- إعادة صياغة الطبقة السياسية بمضايقة واستبعاد غير الموالين عبر عملية اقصاء ممنهج ومحاكمات لم تبلغ غاياتها (شكراً للقضاء المستقل).
3- صناعة زعماء جدد عبر توقيع اتفاقيات سلام صورية معهم و(تشوينهم) بالمال اللازم لتكريس قيادتهم للمجتمع.
انتبه الحكماء مبكراً للجريمة، وكتب من كتب في الصحف وفي وسائل الاعلام الجديد محذرين من تجاهل الشعب وتوليد اتفاقيات وزعماء أنابيب في جوبا، لكن الحكومة صمت أدنيها عن كل قول وتجاهلت ملاحظات الناظر ترك ووفده الكبير الذي سافر خصيصاً إلى جوبا لتجنب الانتقال إلى الخطة (ب) وهي الاحتجاجات السلمية التي انتظمت الإقليم كله بهدف واحد لا مزايدة عليه.
***
ربما أدركت الحكومة الانتقالية ومن يقفون خلفها من رجال الاستعمار الثلاثي الجديد حجم المأزق الذي وضعوا فيه السودان بتصميمهم وتنفيذهم ورعايتهم لإتفاق جوبا الذي لم يشتغل لخلخلة البناء السياسي والاجتماعي في شرق السودان فقط، وإنما في الأقاليم الأخرى عبر الاتفاقيات التي سميت مسارات وظلت منذ التوقيع عليها مادة للسخرية ورافداً جديداً للكوميديا السياسية في البلاد.
إن ألغت الحكومة الانتقالية مسار الشرق فإن جماهير الوسط والشمال ستركل دون صعوبات مساراتها وعلى الترويكا ان تفكر منذ الآن لحكومتها الدمية (التي تنفق على مكتب رمزها وتنابلته) في مخرج لمواجهة مواطني دارفور والنيل الأزرق، وأن أبقت عليه كما الحال الآن فإن السودان كله موعود بأيام أكثر شقاء بكل أسف وحزن.
***
في الشهرين الماضيين، أصدرت دول #الاستعمار_الثلاثي الجديد ثلاثة بيانات شديدة التعالي والازدراء لإستقلال وسيادة البلاد وكرامة مواطنيها احتوى الأول منها تعليمات محددة بلغة آمرة في مناسبة الخلاف بين الفريق أول البرهان رئيس مجلس السيادة وبعض مرؤوسيه وفق النظام السائد في البلاد والتي يمكن حلها وفق الآليات الوطنية في أي حكومة توافقية في العالم.
يقول البيان الصادر في ٢١ سبتمبر ٢٠٢١م ” يجب أن يعمل المكونان المدني والعسكري – وجميع الفاعلين السياسيين – معاً لمنع التهديدات التي تواجه الانتقال الديمقراطي، وإنشاء مؤسسات انتقالية ، ومعالجة التوترات في الشرق والمناطق الأخرى..
يجب على أولئك الذين يسعون لتقويض عملية الانتقال التي يقودها المدنيون أن يفهموا أن شركاء السودان الدوليين يقفون بحزم خلف شعب السودان وحكومته الانتقالية” ومن الواضح جداً أن المقصودين بالتهديد بأنهم يسعون لتقويض عملية الانتقال والذين يقول البيان إن عليهم أن (يفهموا) وأن (يرعوا بقيدهم) هم العسكريون بقيادة البرهان وحميدتي أنفسهم.
للخذلان الكبير فإن وزارة الخارجية لم ترد على هذا التدخل الغليظ (ولو شئت قل الوقح) في الشأن المحلي ولم يرد رئيس الوزراء ولم يطرد مجلس السيادة -كما كان ينبغي عليه – هؤلاء الاستعماريون الجدد خلال ٢٤ ساعة.
رئيس الوزراء مغرم بالغربيين ورجال السفارات ومتحدثي الإنجليزية ومن الصعب عليه مواجهتهم وهو الأعجز عن طرد الموظفين من سكرتارية مكتبه، أما وزيرة الخارجية فإن انشغالها الأساسي بالسفر والمطار ولعلها أشهر المصابين السودانيين بمرض الأسفار أو الهودوفيليا (Hodophilia) وأجمل الأسفار هي إلى دول الترويكا واغضابها يعني الانقطاع عن ذلك العالم الجميل.
***
البيان الثاني -للأسف- كان للترويج عن صنيع مجموعة الاستعمار الثلاثي حيث صدر الأسبوع الماضي للتهنئة بأكذوبة ما يسمى بإتفاق سلام جوبا الذي فجر أزمة في الشرق وصنع أزمة مسلحة لن تلبث طويلاً قبل أن تنفجر في دارفور والنيل الأزرق وكل ما تنتظره هاتان الازمتان هو تغير في نظم دول الجوار أكثر من معطيات داخلية.
***
وجاء البيان الثالث متعالياً كالعادة وموزعاً التهديد والوعيد على الجميع بالتساوي ” يجب على القادة السياسيين في شرق السودان قبول عرض حكومتهم لمعالجة مظالمهم من خلال حوار سياسي” ثم دعت المجموعة إلى رفع ما أسمته بحصار الموانئ وتفادي الاضرار على الاقتصاد دون أن يقف البيان ولو بجملة واحدة على السبب الرئيسي لكل هذه الاحتجاجات والاضرار التي يدفع مواطنو الشرق من حياتهم اليومية ثمنها، وهو اتفاق مسار الشرق العبثي الذي رعته مجموعة الاستعمار الثلاثي الجديد مفردة حتى استقام كارثة وطنية كاملة.
***
كان على المجموعة التوفر على قدر يسير من احترام الضيافة التي ينعمون بها في بلادنا واحترام المضيفين الذين يمنحونهم بضعفهم وتواطؤهم وعمالتهم ومرات أخرى بجهلهم هذا الميدان الفسيح للتدخل، أن يهتموا بالنظر قليلاً في أسباب الصراع.
شرق السودان ليس كتلة صماء واحدة وهناك تداول وآراء جريئة يتم تداولها الأن داخل المجتمع وفي أوساط الطبقة السياسية تناهض الاحتجاجات والاغلاق وتطال بآليات مبتكرة لصالح الخير العام للسودان كله وأهله لكن أغلب هذه الآراء تدرك أن المسار هو السبب الرئيسي وإن الغاءه هو الطريق الوحيد لتفادي فتنة نسأل الله ان يجنب بلادنا ضررها وصناعها ومن يقفون وراءهم.
على مجلس السيادة أن يرفع الآن أصبعه دفاعاً عما تبقى من السيادة التي يقف تحت رايتها وأن يرفض بيان ما يسمى بالترويكا وتدخلها السافر في الصراع السياسي المحلي ضد طرف أصيل وحقيقي لصالح مجموعة مصطنعة لا يراها أحد.
على رئيس الوزراء أن يستجمع بعض الجأش وأن يقول للثلاثي الاستعماري كفى! هذه حكومتي وأنا اديرها وهذا شعبي وأنا أولى بمخاطبته، ولكن هيهات!
على وزيرة الخارجية أن تقاوم الخروج إلى المطارات مرة وأن تجلس في مكتبها وتستدعي هذه المجموعة الإستعمارية الجديدة وتبلغهم أنها قرأت اتفاقية فيينا لللعلاقات الدبلوماسية وأن الاتفاقية لا تسمح بمثل هذه الجرأة والتدخل في الصراع السياسي وتهديد مجموعة سكانية محددة وتوجيه الأوامر لها وإن عليهم العيش بشروط المضيف أو المغادرة.
على رجال الترويكا أن يدركوا أن عهد الاستعمار القادم إلى السودان لن يكون سهلاً عليهم لأن جميع أفراد الشعب لا يعملون في مكتب رئيس الوزراء أو يتلقون رواتبهم من دول الترويكا!
أما الواقفون ضد المسار فيعرفون أن الرد على الثلاثي الاستعمار وأتباعه في الداخل يتكون من مفردتين اثنتين فقط.
صحيفة اليوم التالي






