رأي ومقالات

أيهما أطاحت بقحت٫ الأخطاء المهنية والإدارية أم أخلاقيات الصراع السياسي والايدلوجي؟


🔹 مقدمة
اعترف قادة قحت وأبطال حكومتها٫ وحكموا على تجربتهم بالفشل الذريع. ثم هاهو مارثون الأحداث يستبدل قحت ومجلس وزرائها وسيادتها بالقادمين الجدد. ولكن ما هو السبب الرئيسي لذلك الفشل والتغيير؟ هل هو مجرد أخطاء مهنية وادارية٫ أم هو خطأ الإنحراف الأخلاقي والعناد الايدلوجي؟
🔹 أولا: الأخطاء المهنية والادارية
صحيح أن الأخطاء المهنية أو الادارية التي حدثت٫ كبيرة. وصحيح أن منها ما قد وصل الى حد الكارثة المدمرة لدرجة كفيلة وكافية لاحداث التغيير. إلا أن انزعاج الرأي العام منها مع ذلك كان محدودا ومحصورا في شخوص مرتكبيه. مع بقاء الأمل على الحل طالما كانت هذه الأخطاء مهنية. بغض النظر عن قسوة نتائجها وانتماءات فاعلها. من أمثلة ذلك، الأخطاء الطبية كإجراء عملية جراحية للكلى السليمة بدلا عن المريضة٫ تلف صادر الفول السوداني في مخازن الميناء في بورتسودان بما قيمته ٩٠ مليون دولار. إرجاع ٢٢ باخرة لصادر الضأن من المواني السعودية٫ تسريب ورقة إمتحانات الشهادة السودانية٫ إغلاق أبواب المستشفيات في وجه المواطنين إبان جائحة كرونا مما أدى الى قتل الالاف٫ انتشار ظاهرة الفساد مثل الاستعانة بشركة الفاخر دون عطاءات وتسريب التقاوى الفاسدة الى مصانع الزيوت ودخول شحنة الملابس المستعملة و…. الخ. هذه الأخطاء رغم أنها مدمرة وكارثية إلا أن قياس خطأها ومحاسبة مرتكبيه٫ يظل بمعيار علمي ومهني وموضوعي. وبالتالي فان معالجتها تتم بذات المعيار العلمي الموضوعي. ولذلك لا أعتقد أن تلك الأخطاء هي السبب الرئيسي في ذهاب قحت أو أنها وحدها أدت الى يأس الناس في إصلاح حكومتها.
🔹 ثانيا: الانحرافات الأخلاقية والعناد الايدلوجي
أرى أن الاشكال الرئيسي الذي تسببت عبره قحت في افشال تجربتها ووأد حكومتها٫ هو الانحرافات الاخلاقية والعناد الايدلوجي. لأن هذا الاشكال هو الذي يهيمن على الأداء المهني ويلوث بيئة العمل فيه ويجبره على إرتكاب الخطأ ويبرر للتمادي فيه٫ ثم ويغسل أدمغة بعض النخبة للدفاع عنه٫ ويستغل عاطفة المواطنين الجياع ليهلكوا أمعائهم الخاوية ويريقوا دمائهم الغالية٫ قربانا بين يدي جلوس اهل الايدلوجيا واستمرارهم على كراسي الحكم الفاشل.
١/ لماذا يتم تعطيل المحكمة الدستورية عمدا والصمت على ما يصاحب تعطيلها من إهدار للحقوق٫ وما يمثله ذلك من انحراف أخلاقي عن شعار الثورة: حرية سلام وعدالة؟ قطعا السبب ليس مهنيا. وأنما المقصود هو استخدام العناد الايدلوجي لاضاعة حقوق المخالفين السياسيين حتى وإن أدى ذلك الى موتهم. ومن المعلوم أن دولة الظلم لا تدوم. واستمر هذا الظلم حتى دارت عليها الدوائر.
٢/ لماذا يتم اعتقال الخصوم لأكثر من عام ونصف حتى الموت دون أن يقدموا لأي محاكمة؟. قطعا السبب ليس قصورا مهنيا. ولكن لانعدام السبب أصلاً, يتم استخدام العناد الايدلوجي لابتكار أسلوب آخر للتغطية والتبرير وغسل الأدمغة وتجيش العاطفة واستغلالها. الغطاء هذه المرة هو خطاب الكراهية ضد الافراد كمبرر لقتلهم ولصرف الانظار عن حقوقهم حتى وان كانوا متهمين لأن توجيه الاتهام وتثبيته وتحديد عقوبته انما لا يتم الا عبر القضاء المهني. وليس عبر اللجان السياسية والايدلوجية. إذا وبذلك يتم التغطية على الوأد التعمد والانحراف المتعمد لهذه المؤسسات.
٣/ لماذا يصرِّح عضو رأس الدولة: نحن لجنة سياسية في حرب مفتوحة سنجعلهم يصرخون ثم نشيعهم الى المقابر؟ لا٫ ليس هذا هو العناد الايدلوجي وحده وانما الغطرسة الايدلوجية القاتلة والتي حتما ستودي بأصحابها الى المهالك. من المستحيل ايجاد أي مبرر لهذا السلوك باسم الدولة الا بتغطيته عبر خطاب الكراهية. وتجييش عواطف المواطنين الجياع باشعال نيران الفتنة في صراعهم ضد بعضهم البعض. انه تكتيك يستخدمه السياسي الايدلوجي ليبرر به وجوده وأخطاءه و يصرف الأنظار عن محاسبته عليها. ولكن لم يستمر ذلك طويلاً حتى دارت الدائرة.
٤/ لماذا تتجاوز الحكومة الانتقالية صلاحياتها. فيتم تغيير المناهج وتغيير القوانين والتوقيع على المعاهدات الدولية المخالفة للمعتقدات٫ واستجلاب بعثة أممية مدتها عشرة سنين؟ كل هذه الأحداث ذات طبيعة أيدلوجية لذلك أحدثت جدلا واسعا وشرخا كبيرا. خرجت في وجهها المظاهرات والبيانات والادانات. انه استغلال السلطة بعناد في خدمة الايدلوجيا.
٥/ لماذا تستغل الحكومة الانتقالية الية الدولة القاهرة٫ وجبروتها القاسي فتفصل عشرون ألف موظف عن الخدمة٫ وتصادر الممتلكات وتعتقل خارج إطار القضاء؟ انه الصراع الايدلوجي. والغريب أن الحكومة نفسها حينما اعترفت على لجنتها بأنها لجنة للتشفي وتصفية الحسابات وصاحب أدائها الكثير من الأخطاء٫ الغريب أن ذلك الاعتراف الشهير لم يكن للمراجعة ولا لاحقاق الحقوق وارجاعها وإيقاف الممارسة. انما استمرت ذات اللجنة وبذات المنهج بل واصدرت قانونا يجرم من ينتقدها بعقوبة سجن تصل الى عشرة سنوات. انه الصراع والعناد الايدلوجي والانحراف الاخلاقي عن سلوك الحكومة الراشدة. وعن الفطرة السليمة.
٦/ لماذا تحشد الحكومة مئات الشباب الثائرين عبر لجنة شعبية. وتنفخ فيهم من الحماس وخطاب الكراهية وتمنحهم من الصلاحيات ما يجعلهم يهجمون على المقار الحكومية مثل مباني المحليات والمستشفيات ورئاسة الولايات واجتماعات اتحاد المزارعين بل وتجمعات المناسبات الاجتماعية والمساجد والمدارس والخلاوى وبعض المنازل… الخ. لايمكن تبرير استخدام الحكومة لاسلوب العصابات هذا الا بخطاب الكراهية.
🔹 خاتمة
يتضح من كل ما ذكرنا أعلاه٫ أن الاخطاء المهنية والادارية والانحرافات الأخلاقية وصراعات العناد الايدلوجي٫ قد اجتمعت بكثافة٫ لتتوج الفترة الانتقالية بالفشل الشامل في كل مناحي الحياة. ويتضح أيضا أن العناد الايدلوجي هو الذي يعمي بصيرة الحاكمين فيحول بينهم وبين اجراء التغييرات الجوهرية المتعلقة بالمنهج وبالتالي يمنعهم من تصحيح الاخطاء من داخل التجربة نفسها رغم الاعتراف. بل وتستمر الأخطاء وتتراكم حتى يأتي التغيير من خارج التجربة.

بقلم د. محمد عثمان عوض الله محمدخير



تعليق واحد

  1. كلامك دل طويل نحن قلنا بالواضح لو فشلت قحت في خفض الأسعار وتوفير الخبز والجاز وهذا ما وعدت به واسقطت البشير من أجله لوجدنا لها العذر لكن من اين تجد عذر لحمدوك وقحت باستجلاب البعثة الأممية ومن اين لهم العذر في تغيير المناهج عن طريق الجمهوري القراي ومن اين لهم العذر بتعيين الشيوعي الرشيد سعيد في الإعلام ومن اين نجد لهم عذر في تغيير قوانين الشريعة بالعلمانية المتطرفة الوقحة.
    قحت قادها اليسار الشيوعيين والبعثيبن لحتفها غير ماسوف عليها فقط نتاسف على الأحزاب الكبيرة كحزب الامة التي ذابت في برامج قحت او تعايشت معها ولم تستطع ان تلجمها وسقطت معها في نظر الشعب بدون ذنب غير الضعف والتبعية او الخوف والخضوع وإرهاب اليسار والعلمانيين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *