محجوب مدني محجوب يكتب: كيف وجدت السودان بعد غياب أكثر من عقدين من الزمان؟

العائد إلى السودان والعود أحمد بإذن الله. يتوقع أن يجد أزماته هي عبارة عن أزمات اقتصادية طاحنة، وذلك من خلال معاش الناس، ومن خلال ممارسة مناسباتهم.
لا شيء يذكر عن السودان خارجه سوى الحالة الاقتصادية المتردية التي تضرب البلاد من أقصاها إلى أقصاها.
وبعد أن استقر المقام بالسودان بعد أكثر من عشرين عاما حيث كانت طيلة هذه الفترة عبارة عن عمل خارجه إلا أن الملاحظ في حياة الناس بعد العودة، ومشاهدة ممارستهم لمناسباتهم الحزينة والسعيدة يكاد لا يرى أثرا لهذه الشكوى التي تتردد على كل المستقرين في السودان.
لا شك أن هناك غلاء فاحشا في كل ما يتعلق بحياة الناس من مأكل ومشرب ومسكن إلا أن المشاهد منذ الوصول للسودان لم يشاهد في كل مناسبات الزواج سواء في صالات احتفالات أو صيوانات متجولة هذه المعاناة.
لم يشاهد سوى أثاثات فخمة يعرض بها كل ما لذ وطاب من الأكل والشرب.
تقام جلسات حنة للعريس إن لم تكن أربعة جلسات، فهي لا تقل عن الجلستين كل جلسة نادرا ما تحيا بصوت فنان مسجل، وإنما تحيا ب(قونة) أو فنان لا تقل فرقته المصاحبة له عن أربعة أشخاص، والمدهش في الأمر أنه لا أحد يستغرب هذه الإجراءات، ويأتي الفنان ونظراته لأصحاب المناسبة تقول لهم أنهم محظوظون في كونهم وجدوا فرصة أن أحيا لهم هذا الحفل؛ لكثرة المناسبات التي يحييها.
هذا غير شيلة العروس التي لا تخلو من هاتف لا يقل سعره عن المئة ألف ج.
وهذا كله يمر كأمر أكثر من طبيعي.
وإذا جلس المدعوون يتناولون وليمة العرس بملابسهم الجديدة والفخمة من رجال ونساء أخذوا يتناولون معها أطراف الحديث عن الغلاء الفاحش الذي يضرب البلد، وعن غلاء سعر الرغيف هذا الرغيف الذي لا يعرف أين يوضع عند نهاية هذه الوليمة.
أكثر ما لفت العودة التي استمرت أكثر من عشرين عاما ليس معاناة الناس في معاشهم، وإنما الملفت حقا والمثير للدهشة والشفقة معا هو التغيير المريع في علاقات الناس.
فالملاحظ من خلال هذه العودة للسودان أنه صارت لدى السودانيين حالتان تظهران ظهور الشمس في كبد السماء وتتكران بصورة تكاد تكون في كل لحظة.
هاتان العلاقتان تتلخصان في الآتي:
الحالة الأولى: الجفاء والاستغناء بين الأقرباء لدرجة تكاد تكون صفرية حيث لا يجتمع هؤلاء الأقارب رغم قربهم إلا نادرا، ومن يسكن منهم في بيت واحد تكون أجهزة اتصالاتهم أقرب إليهم من بعضهم البعض هذا الابتعاد يشمل حتى الزوج والزوجة، فلا يكاد يجمع هذين الزوجين إلا ما يهم ويشغل بيتهم وأولادهم.
أما كل لحظة جميلة وممتعة صارت لا علاقة لها بالبيت أو الأسرة.
صارت الأسرة في المجتمع السوداني مصدر عبء.
ومسؤولية ثقيلة يفرضها الواجب والمجتمع.
أما كل لحظة ممتعة وجميلة لم تعد مرتبطة بالزوجة ولا بالأولاد.
الحديث عن الزوجة صار حديثا عن مشاكلها سواء المعيشية أو علاقتها الخاصة والعامة.
وكذلك الأولاد لم يعودوا مصدر سعادة واطمئنان بقدر ما عادوا مصدر قلق وهم ونكد.
الحالة الثانية: هي حالة كل شخص بعيد يريد أن يستغل الآخرين ويشفط ما لديهم من مميزات سواء مادية أو اجتماعية أو حكومية وهو يسعى لتحقيق هدفه هذا من خلال تمثيله وخداعه للآخرين، وذلك لكونه حريص على مصلحتهم.
يتعامل معهم بسبب همه بأنه يخاف على خسارتهم، ويخاف على من يخدعهم، وهو يقدر غاية التقدير المعرفة والعشرة والشخص الذي جاؤوا من طرفه.
وهو في كل هذه التمثيلية يبحث عن غايته هو فقط، وبقدر من يجيد هذه التمثيلية يكون نجاحه وتميزه في المجتمع.
ملايين الكلمات حائمة بين الناس ليس لها أي مدول أو معنى سوى تحقيق أهداف أصحابها.
وعشرات الأرقام محفوظة بأجهزة التلفونات وتتبادل حولها التحيات والسؤال عن الأخبار لا لشيء إلا لتحقيق هدف معين.
تسمع من المعاناة الاقتصادية خارج السودان، فعلى الأقل يتوقع أن يشاهد أثرها واضحا، فإن لم يكن عند الكل يكون عند البعض إلا أن المشاهد أن الجميع يمارسون حياتهم اليومية كأحسن ما تكون لدرجة أنه لم يعد تسجيل الأبناء في المدارس الخاصة مثار دهشة.
أو أن علاج المرضى في المستشفيات الخاصة مثار استغراب رغم الشكوى الدائمة عن سوء الحال.
سوء الحال لا يرى إلا في علاقات الناس ببعضهم البعض، فهو إما قريب مستغن عن أقربائه، ولا يسأل عنهم ولا فيهم اللهم إلا مضطرا.
أو بعيد يتقرب بغرض مصلحة خاصة يظهر ودا وإخلاصا بلاستيكيا تمضغه وتمضغه لا تشم له رائحة، ولا تذوق له طعما.
فيا أهل السودان اسمعوا لمن يراكم وهو قادم من الخارج؛ لكون رؤيته أكثر وضوحا وجلاء، فهو يعرفكم قبل خروجه وبعد عودته فاسمعوا قوله:
فأنتم لم تفقدوا عيشة، ولا ثلاجة فارغة، ولا شاشة تلفاز كبيرة، ولا جلوسات فخمة، ولا حتى مكيفات باردة، وإنما فقدتم كل قيمة نبيلة كان يتمتع بها أهل السودان، ويتصف بها.
فهو حينما كان يحن شقيق على شقيقه، والخال على ابن أخته والعم على ابن أخيه كانوا مضربا للأمثال فانظروا كيف أصبحت هذه العلاقات اليوم؟
وحينما كنتم تجمعكم معاملات تجارية أو خدمية كنتم مضربا للصدق وللأمانة، فلا يكاد يذكر من بينكم رجل خان أو غش أو خدع أو دلس.
لا يذكر من بينكم رجل أعاد خدمة أنجزت له اكتشف بأنها مضروبة.
أو فقد قريبا له جراء عملية جراحية لم تتحرك مقصاتها وشاشاتها وأدويتها إلا من أجل خدمة الطبيب ومستشفاه.
أفيقوا يا أهل السودان وأرجعوا إلى صوابكم ما تعانون منه ليست له علاقة بالأزمات الاقتصادية.
ما تعانون منه أزمات أخلاقية، وأزمات حادة وخطيرة بكل ما تحمل الكلمة من معنى فالحقوا أنفسكم قبل أن تبقوا أثرا بعد عين.
صحيفة الانتباهة






