ليس هكذا يا حسين خوجلي يفدى الوطن محجوب مدني محجوب

لطالما تحدث الإعلامي البارز والشهير حسين خوجلي عن المعاني وعن حب الوطن، ولطالما تحدث الرجل أن الأوطان غالية، ولا تعدلها نعمة من نعم الدنيا.
إلا أن الإعلامي الذائع الصيت يبدو أنه حينما كان يسرف في الحديث عن حب الوطن لم يكن يقصد الوطن، وإنما كان يقصد الحاكم الذي ينتسب إليه.
فأول ما هبش في حاكمه تململ الرجل وانزعج إلى أن أعلن الرجل حسب ما نشر هو نفسه قبل يومين بأنه ينوي الهجرة من السودان.
ينوي حسين خوجلي الهجرة من السودان لا بسبب اختفاء نهر النيل.
ولا بسبب تغيير الخارطة السكانية للسودان بحيث أصبحت تسكنه قبائل الغجر الهندية بدلا من قبائل المسيرية والشايقية والجعليين والهدندوة.
لماذا ينوي حسين خوجلي الهجرة من بلاده التي طالما ما يفتخر بها؟
فسحنة السودانيين لم تتغير كما أن الخير الذي ينعم به السودان لم يختف، وهذه الثقافات المتعددة لم تزال.
ليس لأجل ذلك ينوي حسين خوجلي الهجرة، فهو لطالما ذكر أن السودان وطن ليس كسائر الأوطان.
وطن يستحق الجلوس فيه، وكان يستغرب كل الاستغراب ويستنكر كل الإنكار كل من هاجر وتركه.
أخيرا نوى حسين خوجلي الهجرة ليصبح مثله مثل الطيور المهاجرة.
ينوي حسين الهجرة بسبب موقفه السياسي.
عرف حسين هذا السبب الآن بعدما أصاب واكتوى بناره هو، ولم يعرفه حينما أصاب الآخرين.
فحينما كان لا يحس حسين بهذا الألم كان يذكر في مناسبة وبدون مناسبة أنه لا ينبغي أن يهاجر كل من أحب هذا التراب الطاهر، وهذا المجتمع المثالي في جميع مكوناته.
وكثيرا ما عاتب الإعلامي حسين خوجلي الطيور المهاجرة لا سيما تلك الطيور التي تتمتع بمواهب وإمكانيات عظيمة مشددا ولائما تلك الطيور أشد اللوم في كونها تركت هذا الوطن خلفها.
لم يلتمس حسين خوجلي العذر لهذه الطيور المهاجرة؛ ليصب جام غضبه على الأنظمة التي عملت على طردها.
هذه الطيور المهاجرة التي خرجت من السودان ليست كلها هاجرت بسبب عدم وطنيتها وبسبب عدم إخلاصها للوطن لم تهاجر كلها بسبب البحث عن غاياتها الخاصة.
هاجرت أغلب هذه الطيور بسبب ممارسة القمع عليها.
هاجرت بسبب الظلم والإجحاف الذي يمارسه عليها الحاكم.
كنت حينها يا حسين خوجلي وأنت لك ثلاثة منابر إعلامية (جريدة وقناة وإذاعة) هذا غير توجهك السياسي ورصيدك السياسي نحو الحاكم.
تركت كل ذلك ووجهت جام غضبك على أساتذة الجامعات الذين هاجروا من السودان.
هؤلاء الأساتذة الذين هاجروا بسبب أن الجامعات صارت تتبع لجهاز أمن الدولة.
ولم تعد تتبع لوزراة التعليم العالي.
تهاجمها وقد أصبح يشغل منصب عميد الكلية شاب يهين ويذل في أساتذة وكفاءات.
لا يقبل هؤلاء الأساتذة بهذا الشاب أن يجلس طالبا بإحدى قاعات محاضراتهم.
تتحدث عن هؤلاء الأساتذة يا حسين خوجلي كثيرا سواء من خلال توجه منابرك الإعلامية أو من خلال عمودك الراتب على جريدتك جريدة ألوان أو من خلال برنامجك الذائع الصيت (مع حسين خوجلي).
فلم توظف هذه المنابر يا حسين يومها للدفاع عن القامات السودانية التي نفدت بجلدها وتركت لأجهزة أمن الدولة السودان بما حمل.
فتخطفهم العالم خطفا من عظمة مؤهلاتهم وكفاءاتهم.
لم تدافع عنهم حينها، وإنما هاجمتهم بأنهم عديمو الوطنية وعديمو الولاء للوطن.
لم تدرك يا حسين خوجلي أن الدنيا دوارة.
لم تدرك أن الظلم ساعة والعدل إلى قيام الساعة.
لم تدرك بكل فصاحة لسانك وجرأة قلمك ونصاعة عمامتك وثوبك بأن ظلم الطاغية (ضل ضحى) سرعان ما يذهب وكأنه غير موجود.
فها أنت اليوم تقع في ذات الفخ الذي وقع فيه كل مواطن حاصرته أنظمة الحكم وصيرت له الوطن خرم إبرة بسعة وكبر حجمه.
ها أنت اليوم تقول بعظمة لسانك أنك تنوي الهجرة من السودان لا بسبب الدفاع عنه، ولا بسبب رحلة علاج أو ظروف خاصة، فللناس ظروف وأحوال.
وإنما ذكرت بأنك تنوي الهجرة من السودان بسبب أنك لمدة أربع سنوات تلاحق أجهزة القضاء بفتح قضية ملف منابرك الإعلامية التي أغلقت من قبل القضاء.
أغلقت من دون تهمة واضحة موجهة إليها.
ليس شماتة يا حسين ولكنها سنن الكون.
ف(البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت.
يا بن آدم اصنع ما شئت فكما تدين تدان.)
تقلل من قيم الشوامخ التي هاجرت، ولا تذكر سبب هجرتها الحقيقي ليس لأنك تجهله بل تعرفه معرفة اليقين ولكنك تتجاهله؛ لأن من تسبب في هجرتهم يتبع لك.
لأن من تسبب في هجرتهم تداهنه وتسعى لكسبه.
فهو من منحك كل هذا الوضع الذي تتميز به.
إن فرصة من ذهب جاءت إليكم عزيزي حسين خوجلي، فالفرص الغالية لا تتكرر كثيرا، وليس فقط أضعتم هذه الفرصة الإعلامية بل عملتم على إجهاضها.
فالإعلام ليس صحف توزع.
وليس استديوهات تعد وتجهز.
وليس قلما يتقن الربط بين مفردات الجمل وعبارات اللغة.
الإعلام موقف منافح عن الحق حتى ولو كان هذا الحق لا يتبع لك.
حتى ولو كان هذا الحق يعرضك للأذى.
حتى ولو كان هذا الحق يسلبك فرصا وامتيازات.
هذه هي الرسالة الإعلامية التي لم توفها حقها.
هاجرت المؤهلات في مختلف المجالات يا حسين ليس بسبب عدم وطنيتهم، وإنما هاجروا بسبب الظلم الذي ألم بهم.
فإن كنت اليوم نالك هذا الظلم الذي جعلك تنوي الهجرة من السودان، فإن أولئك الذين هاجروا من قبلك حرموا ومنعوا حتى من ذكر سبب هجرتهم.
صحيفة الانتباهة






