سياسة الإقصاء جسم غريب على أهل السودان

بعض السياسات المعروفة بخطئها وعدم صحتها قد تنجح وفق ظروف ومعطيات معينة.
كأن تمارس سياسة الإقصاء في قرية كل أهلها ينتسبون إلى جد واحد، فحينئذ يمكن أن تنجح هذه القرية في تطبيق سياسة الإقصاء على مضض رغم خطئها، ورغم سلبياتها التي قد تظهر على أهل هذه القرية في كونهم منغلقون على أنفسهم لا يقبلون سواء نفسيا أو اجتماعيا اي مكون خارجي.
هذه القرية التي تمارس الإقصاء ستكتشف لاحقا أن سياستها هذه التي تمارسها لزمن طويل ومنسجمة معها غاية الانسجام لدرجة أنها لا تحتاج إلى تذكير أو تنبيه عليها.
فأهل القرية عن بكرة أبيهم مقتنعون بها ويمارسونها دون أدنى شعور بالخطأ.
فالتاجر منهم لا يشاركه في تجارته شخص لا ينتمي لهذه القرية، ويرفض رفضا تاما كل من يحاول أن يدخل معه في عمل وهو خارج القرية.
ومن باب أولى ووفقا لسياسة الإقصاء لهذه القرية، فإن المصاهرة سوف تتم داخل محيط القرية، فكل من أتى بزوجة خارج القرية، فهو منبوذ ومطرود ولا يتم إدخاله إطلاقا بعد عملته التي عملها في شؤون القرية، ولا يؤخذ له رأي في أي أمر يخص القرية ويخص أهلها.
وبما أن سياسة الإقصاء ظاهرة ضد الطبيعة الإنسانية، فإنها لن تدوم وحتما سيأتي يوم وتنقلب هذه السياسة على أهلها، فيكتشف أهلها أنهم مخطئون، وأنه مهما أوتي الإنسان من ميزات لا يمكن بأي حال من الأحول أن يعيش وحده، ويكتفي بنفسه.
فإذا عرضت هذه السياسة المعيبة سياسة الإقصاء على بلد كالسودان، فمن أول وهلة يظهر استحالة تطبيقها.
ليس لأنها سيئة فقط، بل إضافة إلى سوئها، فإنها لا يمكن أن تتطبق على بلد كالسودان.
بلد نصفه عربي والآخر منه أفريقي.
بلد بشرة أبنائه تشمل جميع الألوان منها الأسود الغامق، ومنها الأبيض الفاتح، ومنها ما يميل إلى الحمرة، ومنها ما يميل إلى السمرة.
بلد بعض قامات أبنائه فارعة الطول، والأخرى متناهية القصر.
بلد بعض لسان أبنائه لا يتحدث سوى العربية وآخر يجيد العربية والنوبية والإنجليزية ولا يفهم شيئا في الفوراوية أو البجاوية.
بلد بعض ثقافة أبنائه أفريقية لا علاقة لها بالإسلامية، وأخرى شرقية تحتقر غاية الاحتقار الثقافة العربية والغربية، وثالثة غربية خالصة، ورابعة لا هم لها سوى الثقافة الإسلامية.
هذه التركيبة التي لا تكاد تجتمع في بلد استحالة أن تطبق عليها سياسة الإقصاء.
تقصي من؟
وتقرب من؟
وإزاء رفض سياسة الإقصاء مع هذه التركيبة السودانية المعقدة يبرز السؤال التالي:
ما هو البديل؟
فحتى لو أردنا تغيير تركيبة السودان؛ لنجعل منها تركيبة ذات سحنة واحدة، وثقافة واحدة، ولهجات ولغات واحدة، فلن تنفع معها ممارسة سياسة الإقصاء لسوء هذه السياسة وسوء نتائجها.
إن البديل للإقصاء موجود.
موجود ليس فقط كبديل بل موجود ليضرب في اتجاهين:
الأول: نبعد به الأزمات والمشاكل التي تخلفها كل سياسة الإقصاء هذه السياسة التي تعمل على تمزيق أجزاء الوطن أسوأ تمزيق.
الثاني: تتحول كل الاختلافات التي يتصف بها السودان إلى إثراء وإلى ميزات تدعم هذا الوطن بجميع مجالاته وأجزائه.
فما هذه السياسة التي تبعد سياسات الإقصاء وتثري كل هذا الاختلاف؟
هي سياسات في غاية السهولة والبساطة فقط تحتاج إلى تطبيق.
تتلخص هذه السياسة في الممارسات التالية:
* ينبغي أن تقابل الإساءة بالإحسان.
* ينبغي أن يقابل الظلم بالعدل.
* بل ينبغي أن يفعل أكثر من ذلك ينبغي ان يقابل الهجوم بالصفح والمسامحة.
* ينبغي أن يتم الوقوف مع الحق لا مع أي انتماءات خاصة.
بهذا الأسلوب يمكن أن يتحول الاختلاف إلى قوة.
يتحول التعدد إلى وحدة.
تصبح الأماكن المتباعدة بين أجزاء الوطن إلى مكان واحد.
لكل ذلك فإن الكل إذا قام بتمرير سياسة الإقصاء ورفض بعضهم بعضا، فهذه السياسة مع بلد كالسودان لن تنفع ولو للحظة واحدة.
يمكن لهذه السياسة سياسة الإقصاء نوعا ما أن يلتفت إليها من يتسم بثقافة واحدة، فيبعد ثقافة الآخرين.
يمكن أن يلتفت إليها من يتسم بعرق واحد فلا يقبل ببقية الأعراق.
يمكن أن يلتفت إليها من يتسم بلهجة واحدة فلا يستسيغ بقية اللهجات.
فكيف لمن يتبنى هذه السياسة، وكل مكون من هذه المكونات يحظى منه بعشرات الأنواع؟
فإذا تجاوز أعطاب الإقصاء وخراباتها، فهي وفقا لتعدد هذه المكونات، فلن يتحقق هذا المرض أصلا.
لن يتحقق على نطاق الوطن الواسع العريض بل حتى على نطاق قرية واحدة من قرى بلدنا الصغيرة.
فيا من تمارسون سياسة الإقصاء، وتتحمسون لها رغم كل نتائجها الوخيمة على بلد كالسودان، فإن كنتم لا تهتمون ولا تشفقون على من تمارسون عليه الإقصاء، فليكن لكم عقول تميز.
صحيفة الانتباهة






