مقالات متنوعة

إبراهيم أحمد الحسن يكتب.. رفع قواعد الإيقاعات في النيل الأزرق مكاناً علياً: الجمري حامد.. باص الرصيرص فات

(1)

جاءت المتقدمة لوظيفة رفيعة في إدارة الاتصال المؤسسي بكامل أناقتها للمعاينة، جلست في ثبات وثقة أمام مجموعة العمل التي تجري المقابلة .وأنا اعتدت في مثل هذا النوع من المقابلات والمعاينات التركيز على جانب مهم وهو استخلاص كل ما عند المتقدم للوظيفة من مهارات ناعمة تاركاً مهمة استخلاص المهارات الصلدة لباقي أعضاء المجموعة . . كنت أطرح أسئلة غير مباشرة تركز على المعنى والمبنى وسبر أغواره أكثر من الشكل المعرفي للمتقدم . . طفقت المتقدمة تجيب على كل الأسئلة بثقة وثبات، وعندما سألتها عن الإيقاعات السودانية مضت تسرد أسمائها بلا توقف، (النقارة المردوم، التمتم والدليب) لم تتوقف إلا بمقدار التقاط أنفسها لتمضي في سرد القائمة الطويلة من الإيقاعات إلى أن أوقفها سؤالي المباغت ماذا تعرفين عن إيقاع الدقلاش؟ بسرعة أجابت أنا أعرف (الأقاشي) ولكنني لا أعرف الدقلاش.

(2)

ابتسمت وأنا أتذكَّر رد (عبدالله الحيوان) الذي جاء إلى مكتبته من سأله أن يبيعه ملحاً للطعام، حضر إليه طالباً الملح بتحريض من شلة من الأصدقاء جلسوا على مقهى قبالة مكتبة عبدالله، رد عبدالله على طلب الرجل بقوله (نحن هنا نغذي عقول وليس بطون)، تذكرت (عبدالله الحيوان) ابتسمت وقلت لها السؤال هنا يرتبط بالمعاني والوجدان وليس بالشكل وقشور الطعام . . وحرصت أيما حرص على استجلاء دوزنة الإيقاع الداخلي للمتقدم لأي وظيفة لقناعتي الراسخة بأهمية اتزان الإيقاع الداخلي واتساقه وأهميته عند التعامل مع أصحاب المصلحة الآخرين وبصورة خاصة مع الزبائن،وفي حالة وظيفة الاتصال المؤسسي، حرصت على طرح أسئلة تتعلق بالإيقاعات ذاتها لاستجلاء ذلك الاتزان وما كان السؤال يتعلق بالجانب المعرفي بالإيقاعات بقدر ما هي لاستكشاف مقدرات الفطرة والجبلة عند المتقدم للوظيفة على المواءمة مع الظروف المحيطة بالوظيفة واستعداده للتعلم .

(3)

التنوع البديع في السودان يشكل تحدياً لأي موظف يعمل في الاتصال المؤسسي، تنوع في الجغرافيا والتاريخ وفي سماحة النفوس في القيم والقناعات، في الذكاء الفطري والتعامل على السجية في كل أرجاء السودان، وأي من يعمل في الاتصال المؤسسي أن لم يدرك ذلك ويتسلح بالمعارف والاستعداد للتعامل مع تحدي التنوع البديع حتماً لن يصيب من النجاح ما يجعله قادراً على القيام بأعباء وظيفته. . وما وجدت في حياتي من هو أقدر وأعمق معرفة بالإيقاعات السودانية المتنوعة مثل الفنان القدير الجمري حامد. .. فهو تجاوز المعرفة إلى أداء الإيقاعات السودانية بثرائها وغني محتواها، بل وعاشها بقلبه وحواسه وجوانحه..وفي لقاء أجراه المقتدر محمد محمود، لحساب قناة النيل الأزرق مع الفنان الجمري حامد يعود العام 2017، شاهد ماذا قال الجمري عن اللهجات السودانية ؟ حديثه عن لهجة الفلاتة التي يجيدها بذات طريقة نطق الحروف فيها وهو يحكي عن حرص الفلاتة على الإنتاج وتتبع رحلة زملاء له جرياً وراء الرزق ففي سعيهم الحثيث نحو الكسب الحلال تنقلوا بين كسلا والقضارف، خشم القربة والجزيرة، رحلة تطعمهم من جوع وتأمنهم من خوف، إيقاع حروف اللهجة على لسان الجمري كان مدوزناً ومضبوطاً علي موجات أثير نفسه السمحة، ترديد الجمري للمقاطع الجميلة التي تحث على الإنتاج وتبرز مقدرة الفلاتة في المساهمة في دورة الاقتصاد، رددها الجمري وكأنه يغنى، بل كان هو بالفعل يغني باللهجة وينطق بحروف الموسيقى فيها.

(4)

النيل الأزرق بلاد الإيقاعات الجميلة والنغم الطروب ودراية الجمري بدروب وطرق الإيقاعات يجعله دائماً ينطلق إلى فضاءات أوسع يحلق في الفضاء الرحيب للوطن، يبصر فيها الصورة الكبرى للوطن ثم يخلص إلى أن (المردوم) الذي هو في قرارة المهتمين بالفن كردفاني صرف يجعل منه الجمري إيقاع كل الوطن ويفترع منه مردوم آخر يضمه إلى جوقة إيقاعات النيل الأزرق ويجعل منه مردوماً آخر بذات القدرة الفائقة على التطريب، فلا تندهش عندما ترى الجمري يذوب في الإيقاع وهو يتمايل معه طرباً ويردد (غنوا المردوم، دقوا المردوم).. ولم يك تغنى الجمري بأغنيته (تعال ودينا للجنينة) وحدها هي من يشير إلى الصورة الكبرى التي أبصرها من علياء تحليقه فوق طيات سحاب الوطن، بل تناغمها مع أغنية حروف المحبوبة وصفاتها فهي (عيونا كهرباء الميناء) وبين الميناء بورتسودان في الشرق إلى الجنينة في الغرب تستطيع أن ترى الوطن بعيون الجمري ..وبين الجنينة والميناء ينثر الإبداع الذي يؤديه الجمري في (الشتيلة ألفي جدولها).

(5)

يجعل الجمري إيقاع (الدلوكة) أساس لأغنيته (بص الرصيرص فات).. وقد انشغل قلبه كما تقول الأغنية بثلاث بنات الأولى (طالعة للنهار) والثانية (لفاها الخضار)، أما الثالثة فهي بـ (لون السمار) وجعل الجمري من الثالثة تحديداً رمز للوطن عندما غناها نغم (دي من عزة لبست توب وقار)، تجلت هنا عبقرية الجمري عندما لخص التنوع الباذخ في السودان في ثلاث بنات تنوعت ألوانهن ولكن جمعتهن عزة رمز الوطن بثوب من وقار. وكأني به الجمري يستحضر عازة خليل فرح في كل مقاطعها التي تجوب أنحاء الوطن.. والجمري جعل إيقاع آلة (الشَتَمْ) حاضراً في ذات أغنية الثلاث بنات عندما قال ( سمحات رموشن يجرحن/ في قلبي أمسن وأصبحن/ وا عذابي الليلة / شغلن قلبي لامن باص الرصيرص فات /وا عذابي الليلة / بنغمة من صوت الشَتَمْ / وزي الظبيات يسرحن / وا عذابي الليلة لامن باص الرصيرص فات ).

(6)

غنى الجمري للمنجل رمز الإنتاج والفعل الجميل متتبعاً خطى الأمين عبدالغفار الذي تغنى للمنجل في الجزيرة وخصاه بتحية وجعله ركيزة لظهر البلد (سلام يا لمنجل المركوز على ضهر البلد تقيات) وكذلك فعل محمد جبارة من كلمات حميد في أغنية (نورة) التي هجرت المدرسة ثم (ختت الكراس وشالت/ منجلا صالت بو جالت / ساعة انجرحت بو شالت / لي التراب فوق ايدا كالت). فالمنجل برمزيته العالية كان حاضراً في أغنيات النيل الأزرق عند الجمري وفي وسط الجزيرة عند الأمين عبدالغفار ثم عند محمد جبارة في شمال السودان .

أما نغمات الكماتير عند الجمري في (جننونا بالخضار) لا ينفك منها إلا بمقدار عودته إليَّ (في دار الغربة شاكي وباكي ) أو إلى نسائم الصباح مع من يحب في (نسايم الصباح زولي رسل شوقا ).

(7)

دوزن الجمري إيقاعات الانقسنا إيقاعات القمز، وإيقاعات المابان وإيقاعات الكمبلا، الدلوكة والمردوم ولكنه تميز بإيقاع (الكلش) الذي عاصر خروجه من القرية ودخوله المدينة و(الخروج من الغابة) ونسب الجمري إدخال إيقاع الكلش إلى المدينة إلى العازف رحمة إبراهيم وقال إنه أول من جاء بالإيقاع إلى الرصيرص المدينة في حي البُتابة حي زعماء الهَمَج . أما الجمري نفسه فقد غناه بعد أن انتقل من إيقاع (النقاقير) إلى الإيقاعات الثلاث. وقد غنى الجمري (أبا موسى) على إيقاع الكلش..وهط الجمري إيقاع الكلش بين رزنامة الإيقاعات السودانية في مكانه المرموق يسير جنباً إلى جنب مع الجراري، الهسيس، التويا، إيقاع القوبيب، إيقاع ال كويت، إيقاع التمتم عند القمز، المردوم والدرملي، الكمبلا، والدليب، ثم إيقاع الدقلاش عند الصوفية والذي كان موضوع معاينة موظف الاتصال المؤسسي في فاتحة هذا المقال.. والتحية للفنان الموسوعة الجمري وهو يرفع قواعد الإيقاعات في النيل الأزرق مكاناً علياً، وهو يجعل من الكلش حجر زاوية الإيقاعات كلها محتلاً مكانته التي يستحق.

صحيفة الصيحة