رأي ومقالات

🔴 أسوأ كوابيس الجنجويد بدأ يتحقق في السودان

قالوا إن معركة الخرطوم مصيرية بالنسبة لوجودهم وأنهم لو خسروها ستكون أياما سوداء في انتظارهم في دارفور.

ولكنهم خرجوا من الخرطوم وتركوا القيادة العامة للجيش والمدرعات وكل أسلحة الجيش الأساسية وذهبوا ليقاتلوا في دارفور.وها هم يواجهون أسوأ ما كانوا يخشونه.

فبينما كانت قيادة أركان الجيش تحتفل بعيد الأضحى في القيادة العامة في قلب الخرطوم، والتي يفترض أنها محاصرة ولكنها تقف شامخة كأكبر دحض لسيطرة المليشيا في الخرطوم وأكبر دليل على تحطم المؤامرة على الجيش السوداني الذي ظل هيكله سليما قويا بقيادته العامة وأسلحته الرئيسية بل ازداد قوة؛ بينما يتلقى قائد أركان الجيش التهانئ بالعيد من الضباط والجنود بالقيادة العامة بالخرطوم كانت منطقة الزرق معقل المليشيا ورمز قوتها تتعرض للهجوم من القوات المشتركة.

المليشيا أصبح قادتها بين هالك ومختبئ، ولا يعرف لها مركز قيادة ولا هيكل تنظيمي، أصبحت تحارب حرب قبلية فجة. كلنا سمعنا تسجيل القائد علي يعقوب قبيل مقتله وهو يستنجد بصراحة بالفزع القبلي؛ هل هذه قوات الدعم السريع؟ ما علاقة قبيلتي السلامات والبني هلبة بقوات يفترض أنها نظامية تقاتل من أجل الديمقراطية لكي يستنجد بهما قائدها بهذا الشكل؟ هذه مجرد حرب قبلية وعلي يعقوب كان يتكلم كزعيم قبلي وفي حرب قبلية. ليس هناك ما هو أدل على انحلال وتفكك الدعم السريع من علي يعقوب وهو يطالب بالفزع بهذا الشكل. لقد كان يتكلم من قلب الكابوس الذي تحول إلى حقيقة؛ هزيمة في العاصمة، ومعركة في دارفور ضد الزرقة، الزغاوة بشكل أخص.

للمفارقة أن مستشار إعلامي سابق لحميدتي قال إن معظم القبائل التي قاتلت مع الدعم السريع لن تقاتل في معركة الفاشر لأنها تفهم أن معركة الفاشر هي معركة قبلية تدور في حاكورة معينة وهي لا تعني هذه القبائل.

الدعم السريع يقاتل (نظريا) كدعم سريع في العاصمة وفي الجزيرة وفي كل مكان في السودان ما عدا في دارفور؛ فبمجرد الالتفات إليها يتحول إلى قبائل عرب دارفور وعرب شتات بشكل فج وسافر.

ولكن المشكلة أن هذه القبائل تخوض حربا مزدوجة؛ حرب ضد الدولة بكل مكوناتها من جهة وحرب قبلية في دارفور بمنطق الحروب القبلية والصراع المعروف في دارفور؛ في العادة تحدث الصراعات من هذا النوع بين قبائل بعيدا عن الدولة وبقية مكونات الشعب. ولكن الجنجويد الآن يخوضون حربهم القبلية في دارفور بعد أن حاربوا الدولة نفسها، وبعد أن استعدوا الشعب السوداني كله.

هذا هو وضع الجنجويد الآن. ولكن يلزم أن نقول أن على الدولة أن تخوض حربها كدولة ضد مجموعة متمردة، وذلك مهما كانت هذه المليشيا قبلية. مهمة الدولة أن تتعامل مع التمرد بمنطلق الدولة، مهما كانت ارتباطات هذا التمرد القبلية، وحتى لو تمردت قبائل عن بكرة أبيها فيجب على الدولة أن تقوم بتعريف هذا التمرد وتأطيره في إطار التمرد على الدولة مثل أي تمرد في العالم، لا أن تنحط الدولة بنفسها في صراع قبلي أو جهوي وتفقد بذلك صفة الدولة.
بعض الحمقى يريدون من الدولة أن تحارب كقبائل، وأن تقوم بتعريف الحرب على أنها حرب بين مكونات قبلية وليست حربا بين الدولة ومليشيات متمردة عليها. لو تصرفت الدولة بهذا الشكل فهو يعني انتصار المليشيا، وانتصار مخطط تفكيك الدولة، لأنك بمجرد الانسياق لهذه الحماقة تكون فقدت صفة الدولة وانتهيت كدولة وذلك بغض النظر عن نتيجة الحرب التي تحولت حينها لحرب قبلية.

كذلك، يجب على الحركات المسلحة التي تقاتل من موقع وجودها في السلطة أن تستوعب المقاومة الشعبية في إطار الدولة الواسع لا إطار القبيلة الضيق مهما كانت الصعوبات والتحديات. وهذه أيضا مسئولية قيادة الجيش وكذلك مسئولية القوى السياسية والمجتمعية المساندة له؛ لا ينبغي استبدال الدعم السريع بدعم سريع آخر. والجنجويد تجربة يجب أن لا تتكرر.

حليم عباس
حليم عباس