رأي ومقالات

حماية المدنيين في الحرب ، أم الحرب علي المدنيين ؟

تاريخياً تعد قصة وضع اتفاقية لحماية المدنيين في الحرب هي قصة استجابة دولية لما حدث من كوارث ومأسي انسانية مؤلمة ، حيث تطورت الحاجة من مجرد أعراف إنسانية إلى توصيات مؤتمرات دولية ثم إلى معاهدة دولية ملزمة لحماية المدنيين لتشكل فيما بعد حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني.

كانت البداية في العام 1864م حيث وقعت اتفاقية جنيف لحماية الجرحى والمرضى في الميدان لكنها لم تغط المدنيين بشكل كاف.
ثم جاء مؤتمر 1929م الدبلوماسي لمراجعة الاتفاقيات وأوصي بمراجعة ودراسة اتفاقيات حماية أسرى الحرب، ووضع (دراسة) اتفاقية لحماية المدنيين لكنه لم يتم.

في العام 1934م أعدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر (مشروع طوكيو) لحماية المدنيين وكان مكوناً من 33 مادة ومن المقرر تقديمه إلى مؤتمر دبلوماسي تقرر عقده عام 1940م ، لكن تم تأجيله بسبب الحرب العالمية الثانية.

بعد الحرب العالمية الثانية، بكل ما خلفته من مرارات ومأسي كثيرة أدت إلى عقد مؤتمر دبلوماسي في جنيف عام 1949م بهدف وضع اتفاقيات دولية لحماية ضحايا الحرب، ثم جاء مؤتمر الاتفاقيات الأربع المعروفة باتفاقيات جنيف، وأهمها “اتفاقية جنيف الرابعة” التي عقدت في 12 أغسطس 1949م وركزت علي “حماية المدنيين”، ثم تم إضافة بروتوكولات اضافية (1977_ 2005م ) لتوسيع نطاق الحماية ، كما أن هذه الاتفاقية لا تتعارض مع أحكام لوائح لاهاي لعام 1907م بشأن ذات الحماية بل هي مكملة ومؤكدة لها ، كما ورد في المادة 154من اتفاقية جنيف الرابعة.

بتطبيق ما سبق علي الحرب في السودان نجد أن تداعيات الحرب في السودان أكدت أن لها آثار إقليمية وعالمية واضحة، و لعبت تقاطعات مصالح الدول الكبرى دوراً فاعلاً في استمرارها ، كما أن متوالية الأحداث فيها تنذر بفوضى عالمية تتجاوز الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية التي يتوقعها الخبراء، لأن السودان الآن يحمل في داخله أقوى أزمة إنسانية في العالم رغم التكتم حولها، والاستهانة الإعلامية بها و محاولات التخفيف من حدتها.

في المقابل زادت هجمات المليشيا المتمردة عبر المسيرات (الإماراتية) لتستهدف المدن الآمنة وتستهدف المدنيين حيث قتلت مسيرة إطلقتها مليشيا الموت والخراب علي منزل في مدينة الأبيض استشهد نتيجتها عشرة أشخاص بينهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم 4سنوات ، وكذلك تعرضت ولاية نهر النيل لهجوم بسبع مسيرات انتحارية أطلقتها علي المدنيين فقتلت شخصاً واصابت آخرين ، فيما تمكن الجيش من إسقاط نحو تسع مسيرات أخرى كانت في طريقها لاستهداف أرواح بريئة وبنى تحتية مدنية ، وكذلك عشر مسيرات انتحارية في المنطقة الخلوية بالدامر الممتدة بين مصانع اسمنت عطبرة شمالا وحتي منطقة الزيداب جنوبا قبل وصولها لأهدافها.

في الخامس من يناير الجاري ذكرت الفرقة 19 مشاة مروي في بيان لها أن الدفاعات تصدت لمسيرات انتحارية اطلقتها المليشا الإرهابية مستهدفة مقر قيادتها وقاعدة مروي الجوية وسد مروي ، وهي هجمات تأتي ضمن استهداف المنشأت الاستراتيجية.

قبل ذلك استهدفت المليشيا محطة كهرباء مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان ومطار كنانة بولاية النيل الأبيض ، وكلها أعيان مدنية يشكل الهجوم عليها جريمة حرب.

المسيرات رفعت فاتورة الحرب إنسانيا ، فزاد عدد الشهداء من المدنيين زيادة كبيرة و امتد تدمير الأعيان المدنية بطريقة ممنهجة مقصودة ، هذه الأحداث ليست حوادث معزولة ولا أخطاء عسكرية بل هي أهداف مرسومة وهجمات ممنهجة متعمدة ضد المدنيين .

الأمم المتحدة عبر مكتبها لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أعربت عن قلقها إزاء الغارات الجوية بطائرات بدون طيار علي المدنيين، هذا ما لديها، إبداء القلق !!!

علي صعيد متصل كشفت مبادرة لا لقهر النساء عن احتجاز 600 امرأة في سجن (كوريا) بمدينة نيالا بولاية جنوب دارفور ، يعانين التعذيب والعنف الجنسي مما أدى إلى تدهور الوضع الصحي لهن وقلة الطعام والرعاية الصحية ، وكذلك تحتجز المليشيا أطفالهن في ظروف قاسية تفتقر للطعام والرعاية الطبية ويعاني أغلبهم من سوء التغذية والأمراض ، وحملت منظمة العفو الدولية المليشيا مسؤولية سلامة النساء والأطفال الذين تحتجزهم ، وبما أن المليشيا لا تتقيد بالقوانين ولا تحترم أعراف ولا تعرف مواثيق واتفاقيات ،فإن وضع هؤلاء النساء والأطفال خطير و كارثي ،، والعالم يصمت !!!!!

ميدانياً، رغم تآكل قدرات المليشيا و محدودية تحركاتها إلا أن استخدامها للمسيرات لفرض معادلة ضغط مستمر على القوات المسلحة لم تنجح ، لأن تكتيكات القوات المسلحة الحاسمة وتركيزها علي استكمال الأهداف التي تستهدفها تجعل المليشيا بين مطرقة الاستنزاف المستمر وسندان فقدان التوازن في ميدان المعركة وبالتالي استمرار سلسلة من الهزائم غير المعلنة حتى الآن.

علي الصعيد الإنساني تستمر موجات النزوح كلما اشتدت المعارك ، مما يؤدي إلى تفاقم الوضع الانساني وزيادة الحاجة للمساعدات الإنسانية والعناية الطبية للمدنيين ، مع استمرار المليشيا في استهداف المدنيين والاعيان المدنية ، مما رفع درجات تحذير منظمات الاغاثة الدولية والاقليمية من تدهور الوضع الانساني أكثر مما هو عليه ، والعالم في صمت مخجل !!!

في خضم هذه الأحداث المؤلمة التي لم تفارق المشهد السوداني منذ بداية الحرب ، تأتي التكتلات الإقليمية لتصبح عنصرا داعما لاستمرار الحرب وتعميق التقاطعات بين القوى الإقليمية والدولية مما يضعف مبادرات إيقاف الحرب سواء إقليمية أو دولية ويزيد الأزمة الإنسانية.

دبلوماسيا ذكر كاميرون هيدسون الدبلوماسي و الخبير الأميركي في الشؤون الأفريقية ، ذكر في جلسة مجلس الأمن في 22 ديسمبر 2025م ، أن “أكثر من 12 دولة تدعم الدعم السريع بالأسلحة والعتاد ورغم ذلك تتحدث هنا في هذا المجلس عن الجانب الانساني الذي تدهور ، نعم تدهور بفعل ما أرسلوه من اسلحة “، والعالم يصمت ولا يعلق !!!!

في الوقت الذي يحتفل العالم فيه بالذكري 75 لاتفاقيات جنيف الأربع الصادرة في أغسطس 1949م ودخلت حيز التنفيذ في اكتوبر 1950م وصادق عليها أكثر من 194دولة وهي اكثر الاتفاقيات الدولية مصادقة مما يجعل تطبيقها واجبا حول العالم ، وهي تشكل ركيزة استراتيحية في القانون الدولي الانساني بتقنينها القواعد الأساسية التي تحد من عنف وقسوة الحروب وتلزم أطرافها باحترامها و تلزمهم بتطبيقها ، كما أنها تعد من أهم مصادر القانون الدولي الانساني، رغم كل ذلك ، الا ان التجارب السابقة والحالية للحروب حول العالم تجعلنا بحاجة ماسة لمراجعة كيفية حماية المدنيين بموجب آليات دولية فاعلة ، لأن ما يحدث علي ارض الواقع تجاوز ما تنص عليه الاتفاقيات.

د. إيناس محمد أحمد