رأي ومقالات

نحو تواصل أرحب بين الجيش والشعب

(1) من الملاحظ والمؤسف حقاً، ضعف التواصل الإيجابي ( الإعلامي والتوجيه المعنوي) بين القوات الأمنية ( الجيش والأمن واستخباراتهما) وبين الشعب، مما يؤدي أحيانا لارتفاع وتيرة الإحباط وسط قواعد الطرفين ، وتوهان الشعب، وبلوغ القلوب الحناجر عند الشعب الأعزل والمعزول، والذي لا يدري جيدا ما يحاك به ولا يدري مآلات وطنه ومستقبله ، ويعاني من التكتم الشديد الذي تمارسه الجهات المسؤولة عن أمنه والتي تولت شأن الوطن كله (الدولة والحكومة) وتولت إدارة شؤونها ومآلاتها ، بمبرر الحالة الأمنية، وهو أمر مفهوم.

(2)

إنّ نوعية وفاعلية الإعلام التوعوي والتوجيه المعنوي عند الجيش ، لتقديم دور الجيش والأمن ومعناهما وتكاملهما ( وطنيا وإنسانيا وشعبيا ودينيا) مع شعبه وأهمية التلاحم معه والتلاقح مع أدواره ومفاهيميه وخططه الوطنية العامة ، (دون الخطط الفنية في أرض المعركة) ، تكاد تكون منعدمة تماماً ولا تؤدي أي دور إيجابي ، بل تسبب نقصاً معنوياً وعملياً في تدافع الشعب نحو الجيش ، وعلى الجيش مراجعة أداء الإعلام داخله ، خصوصاً وأن الإعلام (السياسي) في عمومه موبوء بالعمالة والإرتزاق منذ قيام ما تسمى ثورة ديسمبر.

ولأن الشعب السوداني يعاني نفسياً ومعنوياً من انعدام التواصل بين القوات الأمنية ( الجيش والأمن ) ويعاني من انعدام القنوات التواصلية المؤهلة والتي توجه الشعب نحو علاقات أمتن بينه ، وبين مناطقه، وبينه وبين الجيش بما تستحقه المرحلة، ونحن في حالة حرب ، تمثل التعبئة المعنوية فيها أهم عوامل التلاحم بين الجيش والشعب، مما يؤثر سلبا على مجريات الحرب (حرب البندقية والحرب الأيديولوجية والمعنوية) المخططة بدقة على السودان ومنذ سنين ، وهي في قمتها الآن والسودان كله ، جيشه وشعبه وأرضه وعرضه في حالة أن يكون أولا يكون.

ولأن سنة التغيير جارية على الجيش والشعب وعلى العالم بأسره، وقد اتضحت معالم التمايز بين الحق والباطل وبين خط السلام وخط الظلم والقهر وبين العِداء والإعتداء وبين السلم والأمن ، من المفترض أن يغير الجيش والقوات الأمنية الأخرى من اسلوب وثقافة التواصل العتيقة والموروثة من الإستعمار، والموصوفة بالتمنع والاحتجاب وضعف التواصل بينه وبين الشعب ، والبعض يتهم ثقافة المؤسسات الأمنية على أنها ثقافة (إنعزال وجداني ومعنوي مصنوعة) وتمثل إسفينا Barrier كبيرا، دَقّه أصحاب (مشروع المدنية العلمانية ، المحلية والعالمية ضد الجيوش في المنطقة والسودان أولها)، حتى يخلقوا “جزراً” بين المؤسسات ببعضها، ( لاغتيال مؤسسية الدولة) وبين هذه المؤسسات وبين الشعب ، خصوصا وأن هذا يحدث عندنا ونحن في حالة فجوة دستورية وقانونية من المفترض أن تحدد وتؤطر لدور الجيش والمدنيين ، في بوتقة وطنية مؤسسية واحدة متكاملة الأدوار.

(3)

التغيير المطلوب عاجلاً في هذه المرحلة المفصلية، يحتاجه الوطن، لكي يبقى وطنا ، تغييرا حقيقيا في مفاهيم إدارة الجيش وفي مفاهيم الشعب نفسه نحو الجيش ، في عالم تتوافر فيه المعلومة والمعلومة المضادة ، وتمثل فيه الوسائط والإعلام حرباً معنوية أخرى، لا تقل ضراوة عن الحرب التقليدية ، ويلعب فيه الإعلام الوسائطي دور الموجه المعنوي للشعوب خارج المؤسسات المختصة، وله أثره البالغ في عمليات النصر والهزيمة ومجريات الأمور ، فمن الحصافة أن يُحدث الجيش السوداني، تغييراً جذرياً في تواصله مع الشعب، مع حق الجيش والقوات الأمنية في الإحتفاظ بخصوصية القوات الأمنية، لكن مع مراعاة حق الشعب أيضا في معرفة مآلات وطنه وحوادثه، وحقه المعنوي وحقه في مشاركته في الدفاع عن وطنه والمشاركة في رسم مآلاته.

(4)

من الملاحظ أن هنالك تحفظاً متبادلاً بين الجيش والشعب وعوازل نفسية يجب أن يشملها التغيير في دور وخطاب الجيش والقوات الأمنية لبناء علاقات أكثر حميمة وود وتواصل، بحيث تكون شفافة بالقدر الميسور للتلاقي الوجداني مع الشعب.

وعلى الجيش أن يُحدث تغييراً في كيفيه أدائه الإعلامي والذي انحصر الآن في ظهور بعض قادته وإدلائهم بما يجيش في خواطرهم ، لكن العالم والشعب يعتبر أن هذ التواصل فردي، ويعتبره البعض دلالة واضحة على انعدام وجود الجهة الإعلامية المنوط بها الدور الإعلامي لهذه المؤسسة العريقة، وخصوصا وأن أي تصريح شخصي من أي قائد ، يحسبه العالم أنه تصريح رسمي بديل لدور الإعلام العسكري وبالتالي دور ورأي الوطن بإعتبار أن الجيش يتولى زمام أمره.

(5)

نحن نحتاج تغييراً حقيقياً في كل مفاصل الدولة ، ونريد تغييراً في مفاهيم إدارة الدولة بحيث تكون إدارة ذكية وحرة وشفافة ممن يتولى شؤون وطن يسع الجميع ، إلا من أبى.

المزيد من التواصل الشفاف والذكي بين الجيش وشعبه والمزيد من التلاحم بين فئات الشعب ، وتكامل الأدوار الوطنية ، يمثل ضرورة قصوى، الآن خصوصا ونحن نمر بحالة استقطابات عالميه ومخططات خبيثة يشترك فيها القريب والبعيد والصديق والعدو والمحيط الإقليمي كله بدون إستثناء، وإن أي نقص في التلاقي والتلاحم الشعبي ، وبين جيشه ، يمثل كشفاً لظهر الجيش وظهر الوطن ، ويمثل مدخلاً عظيماً ليس لاختطاف النصر إنما لاختطاف الوطن كله ومدعاة لتقسيمه وتفتيته واستدامة الواقع الماثل، المرير.

(6)

نقول هذا رغم الإشراقات العظيمة التي مثلت الدور الوطني العظيم للمقاومات الشعبية التي تدافعت للمساهمة في تأمين الوطن وكان لها الدور العظيم بعد الله، في وزن كفة هذه الحرب اللعينة ، وتغيير مجريات الواقع فيها ، على الرغم من الأسافين والقطيعة البائنة في التواصل الإعلامي والمعنوي بين الجيش والشعب، كجزئين متكاملين يمثلان إنسان الوطن وعلى الرغم من حوجة هذه الإشراقات للتدريب والتوجيه والتسليح، الذي يشتكي البعض من نقصه، ولا يعرف الشعب أسبابه.

الرفيع بشير الشفيع