رأي ومقالات

التكييف القانوني للجريمة

في الأيام الماضية ضجّت الأسافير بمنشور ينتقد الشرطة بشدة، بحجة أنها تفتح بلاغات تحت مواد السرقة أو النهب (174 و175) بدلاً من الحرابة (167 و186) التي تصل عقوبتها للحد. من كتبوا هذه الآراء وتداولوها فعلوا ذلك بحسن نية، لأنهم ليسوا من أهل الاختصاص، ولهذا غابت عنهم بعض التفاصيل المهمة.
التعميم لا يخدم الحقيقة
أول ما يجب التنبيه إليه أن التعميم يفسد أي نقاش. لا يمكن أن نقول “الشرطة كلها” أو “كل الأقسام” تفعل كذا. هناك تقرير جنائي سنوي تصدره الإدارة العامة للمباحث المركزية، ومن يراجعه سيعرف كم من بلاغات النهب فُتحت.
شروط قيام الحرابة
كثير من الناس يطالبون بتطبيق حد الحرابة على مرتكبي جرائم “9 طويلة”، وهذا شعور مفهوم نابع من الغضب. لكن المادة (167) التي تُجرِّم الحرابة وضعت شرطين أساسيين:
1.أن تقع الجريمة خارج العمران، أو داخل العمران مع تعذر الغوث.
2.أن تُرتكب باستخدام السلاح.
هنا يبرز السؤال: هل جرائم “9 طويلة” تقع فعلاً خارج العمران؟ وماذا نقصد بتعذر الغوث في مدينة مزدحمة، حيث قد تتوفر النجدة ولو بعد حين؟ هذه النقطة تجعل المسألة أعقد مما يظن البعض.
النهب هو الأقرب للواقع
من زاوية قانونية، المادة (175) الخاصة بالنهب تبدو الأقرب لجرائم “9 طويلة”. صحيح أن بعض من رجال الشرطة في أزمنة سابقة كانوا أحياناً يتجنبون تصنيف البلاغ كنهب – لأسباب إدارية/جنائية أو موروثة – لكن المتابعة اليوم تقول إن الحال تغيّر كثيراً، وأصبحت الوقائع تُكيف تكييفاً سليماً في أغلب الأحوال.
الشرطة ليست نهاية الطريق
المهم أن نتذكر أن الشرطة ليست المحطة الأخيرة في أي بلاغ. النيابة العامة تملك سلطة تعديل التكييف كيفما رأت، بل وحتى المحكمة لها صلاحيات محددة في ذلك. بمعنى أن ما يكتبه الضابط في دفتر البلاغ ليس قدراً محتوماً.
ومع ذلك، يبقى الناس في السودان يضعون الحمل كله على كاهل الشرطة، أو بعبارة أخري نقول : “لو عثرت بغلة في العراق لسُئل بوليس السودان عنها.”
كلمة أخيرة
وسط هذه الظروف القاسية التي يعيشها السودان، والضغط الأمني والاجتماعي والاقتصادي غير المسبوق، تظل الشرطة في الميدان تؤدي واجبها بإمكانات محدودة وتضحيات كبيرة. النقد مطلوب، لكنه ينبغي أن يكون منصفاً وبعيداً عن التعميم، لأن الشرطة جزء من هذا المجتمع، تبذل ما بوسعها لتوفير الطمأنينة، وتحتاج من الناس التفهم بقدر ما تحتاج منهم الدعم.

✍️ عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان
٢٧ أغسطس ٢٠٢٥م