رأي ومقالات

يـُمة القطر

(يـُمة القطر) عبارة أطلقها الرجل و ظننت أن القطار دهسه و لكن تبين لي أنها صرخة شوق من رجل لأمه و هو يغادر قريته لأول مرة في حياته.
كان هذا مشهداً من مسرحية (سفر الجفا) التي أخذنا الوالد لمشاهدتها في سابق العصر و الأوان عندما كان السودان بلد الأمان.
ذهابنا صغارا ييسر علينا فهم ما نحن مقبلين عليه و ذلك لسببين الأول أنها مسرحية فيها مشاهد مضحكة و ممتعة لنا .
السبب الثاني أن صلة قربى تربطنا بالرجل المبدع بدر الدين هاشم مؤلف المسرحية و الرجل متعدد المواهب و الاهتمامات، فإلي جانب عطائه الفني كان تاجراً ناجحاً له محل لتجارة الفواكه وسط الخرطوم إسمه (حيفا) كما كان إماما لصلاتي الظهر و العصر بمسجد بري المحس.

هذه الذخيرة المبكرة أتاحت لنا أن نتابع المسرح سواء عبر المسرحيات الإذاعية أو التلفزيونية و كان يحفزنا للمشاهدة الشخصيات الفريدة و المعبرة من أبطال مسرحيات الفاضل سعيد و أشهرها (العجب) و (بت قضيم) و شخصية (أبوقبورة) للمسرحي محمود سراج و شخصية (تور الجر) لعثمان حميدة.

المسرح السوداني كان مميزاً و نشطاً من قبل الإستقلال و قد بُني المسرح القومي قبل أن تنشأ دول و أقطار ، فقد أفتتح في نوفمبر من 1959 م في العام الثاني لحكومة عبود العسكرية التي أنشأته بمناسة الذكري السنوية لحكمها.
نشأ المسرح في ظل حكومة عسكرية ليبين خطل مزاعم اليسار من معاداة العساكر للأدب و الثقافة في حملات دعائية تهدف لتفكيك الدولة لتحكم (الطبقة العاملة) ، وخطل مزاعم دعاة الديمقراطية المزيفة.
ظل المسرح السوداني داعيا للحرية و رفعة البلد و معززا للقيم الوطنية و الثقافة الرفيعة؛ و من المسرحيات الرائدة مسرحية (عبيد) التي ألفها عبيد عبد النور و التي أوقفتها ومنعت عرضها السلطات الإستعمارية بدعوى أنها تحرض الناس ضد الحكومة.

من إبداعات المسرحيين السوانيين ما قدمه عز الدين كوجاك الذي ابتكر ما أسماه مسرح (الكارو) حيث إتخذ من عربة كارو خشبة مسرح يقدم منها أعماله و يطوف بها على الأحياء و يقدم عروضه في الشوارع ليكسب أكبر عدد من المشاهدين.
كان مسرحنا منفتحاً على الأحداث الدولية و العربية و قدم مسرحية (خطبة دفاع عن سميح القاسم) في تضامن مع الشاعر الفلسطيني المشهور ضد إسرائيل.
كما سودن مصطفى أحمد الخليفة مسرحية (المهرج) للكاتب السوري محمد الماغوط و إدتها فرقة الأصدقاء المسرحية بقيادة محمد نعيم سعد.
ومن العروض المسودنة مسرحيات عالمية منها (هاملت و تاجر البندقية) لشكسبير و للكاتب المشهور صمويل بيكيت (شرف الله) و (أوديب الملك) و (بيت الدمية).
كما عرضت مسرحيات سودانية في بريطانيا و أستراليا و فرنسا.

لم يتجاوز المسرح البعد الولائي، و طافت فرق الفاضل سعيد و غيره ولايات السودان و قدمت عروضاً في العديد من المدن منها بورتسودان و كسلا و القضارف و شندي و الأبيض و غيرها .
من المسرحيات المشهورة لرواد المسرح (عجوبة الخربت سوبا) لخالد أبو الروس و (خطوبة سهير) للمبدع مكي سنادة الذي قدم شخصية (خليل) السكران والد البنت المخطوبة التي مثلت دورها تحية زروق و إشتهرت مسرحية (أكل عيش) للفاضل سعيد و (علي عينك يا تاجر) لحمدنا الله عبد القادر و الذي قدم (المقاصيف) و (المنضرة).

رواد المسرح و المسرحيات المتميزة ذات العمق و قوة التعبير لا تحصى و قدمها رجال قاموا عليها بجهد ذاتي و دعم من حكومات عبود و مايو و الإنقاذ و نذكر في هذا المقام ما قام به المسرحي علي مهدي بإنشاء (مسرح البقعة) و هي المدينة الرائدة و أهلها الذين قدموا الكثير بجهدهم و من ذلك ما كان يقوم به المسرحي محمد خير الصياد الذي جعل من داره مقراً تجري فيه البروفات.
و نذكر مساهمات وزير الثقافة البارز السمؤول خلف الله القريش.

سعى المسرح السوادني لمكافحة الهجرة الداخلية من الريف للمدن قبل أن تجتاحنا الهجرة الخارجية و لعل التهجير الذي تم اليوم بسبب الحرب يكون دافعاً لأجيال يافعة لإدراك عظمة الفن و الثقافة و المسرح السودانية .
هذه الأيام تجري جهود مقدرة من وزارة الثقافة بقيادة وزيرها الأستاذ الأعيسر و عدد من المسرحيين و المهتمين لترميم المسرح القومي ليعاود نشاطه و ليقدم فننا العظيم بعد هذه الحرب التي استهدفت قيمنا العزيزة الوطنية الغالية.
و قد عكس موقع “المحقق” في الأيام الماضية طرفاً من هذه الجهود التي دعمها نفر من الفاعلين منهم جماعة (إعمار المسرح) و الفنانين منهم الأستاذة المطربة إنصاف فتحي.

من المقرر أن يكون الإفتتاح في السابع عشر من هذا الشهر لتوضع به لبنة في صرح السودان ما بعد الحرب بإنتاج بنية في مختلف المجالات حرباً و سلماً و تضامناً شعبياً و مسرحاُ و طرباً و قيماً رفيعة .

راشد عبد الرحيم