لا الحرب التي لنا

لا الحرب التي لنا:
لا للحرب هو أنبل شعار يمكن رفعه ولكن تم تدنيسه من شرذمة لوثت كل طيب وضعت يدها عليه مثل ورشة وليبرالية وتعاون دولي وديمقراطية ومدنية واستنارة. .
كنتُ ضد جميع الحروب، ومن بين قلة من السودانيين، خارج دوائر الإسلاميين، الذين عارضوا بشدة العمل العسكري ضد نظام البشير. جلبت لي تلك المعارضة حينها لعسكرة السياسة غضب جميع الأحزاب المشاركة في العمليات العسكرية لإسقاط نظام البشير. شملت هذه الأحزاب المؤيدة للحرب جميع الأحزاب والجماعات السودانية الرئيسية، بالإضافة إلى حقيقة أن معظم، إن لم يكن جميع، قادة الرأي العام والمثقفين أيدوا ما أسموه الانتفاضة المحمية بالسلاح بصورة أو بأخري.
لكن منذ عام ٢٠٢٣، أصبحتُ متشككًا في شعار “لا للحرب”، ليس لأنني غيرت رأيي في جدوى الحرب، بل لأنني وجدتُ هذا الشعار زائفًا وجبانًا ومنافقًا. وصرت لا أدري أأضحك أم أتقيأ كلما رأيت داعية حرب سابق يتظاهر بحب مفاجئ للسلمية إذ هو مع الحرب أو ضدها حسب المصالح.
كان شعار “لا للحرب” هو الشعار الأمثل خلال مفاوضات الإطاري مقطوع الطاري، لكن لم يُرفع مثل هذا الشعار آنذاك في الوقت المناسب ، بل لجأ خبراء الخداع حينها إلى تهديد الجيش: “وقّعوا على هذا الاتفاق الإطاري السيئ المعادي للسودان، وإلا ستُعاقبون أنتم وقادتكم بالحرب”. وهددت كبيرة أم قرونهم الجيش بان الجنجويد هم السم القدر عشاك.
لم يكن هناك شعار “لا للحرب” في ذلك وقته المناسب وغاب في أحلك الظروف. ولم يُرفع الشعار إلا بعد اندلاع الحرب، حين اتضح جليًا أن الحلف الجنجويدي لا يستطيع الانتصار الحاسم، وأن العودة إلى الوضع السابق للحرب هي أقصى ما يمكن أن يحصل عليه.
تكمن مشكلة الشعار الكاذب بعد اندلاع الحرب في أنه لم يكن يعني أبدً ما يقول ان “لا للحرب”، بل كان يعني دائمًا “لا لحق الضحية في الدفاع عن نفسها”، و”لا لدفاع السودانيون عن دولتهم وحدودها وسيادتها” – أي نعم لوجود دائم للجنجويد المجرمين ليرفعوهم للكرسي علي رماحهم، نعم لتبعية السودان لكفيلهم حتي يرفعهم في الداخل والخارج.
لم يكن الشعار المخاتل موجهًا أبدًا إلى الجنجويد المُعتدين أو القوى الأجنبية التي تمولهم وتسلحهم، بل استُخدم دائمًا لتصوير السودانيين الوطنيين الشجعان الذين رفضوا بيع أنفسهم للمال الأجنبي على أنهم كيزان، دعاة حرب ، إذ استُخدم من قبل الفلنقايات لتشويه سمعة الذين رفضوا الإنحناء للجنجويد والخضوع للمصالح الأجنبية.
يمكن تصوير الأمر برمته كمشهد اقتحام مسلح من الجنجويد منزل عائلة في الهلالية، للنهب والاعتداء، لكن رجال ونساء المنزل يقاومون باستخدام سكاكينهم ومفراكاتهم. وبينما يستمر القتال، يمكن لكل شاهد أن ينحاز إما إلى الجنجويد أو إلى العائلة المنخرطة في حق الدفاع عن النفس لحماية شرفها وممتلكاتها، لكن بعض الجبناء الكاذبين فضلوا الصراخ “لا للحرب، لا للحرب”، وبصرختهم الكذوب محوا الفروق الأخلاقية والقانونية بين أسرة تدافع عن نفسها وشرفها ، ومجرم جنجويدي قادم من مناطق بعيدة للاغتصاب والسرقة.
شعار لا للحرب كما تم رفعه يخلق مساواة زائفة بين الدفاع عن النفس والعدوان غير المشروع. محتوي الشعار هكذا لا علاقة له بمعارضة الحرب أنه دعوة لألف حرب لأنه لا يقاوم المعتدي ولا يكلفه بل يكافئه بإضفاء مشروعية تساوي بينه وبين ضحيته. .هذا لا علاقة له بالسلمية بل إنه خيانة للعدالة، وأداة دعائية تحمي المعتدي بينما تلقي باللوم على الضحية.
لا الحرب التي لنا ونصر عليها تقول للجنجويد وداعميهم الأجانب انصرفوا عن لحمنا ودمنا ودارنا ولا رغبة لنا في عراك معكم بعد أن تحلوا عن سمانا.
معتصم اقرع





